جماهير الثورات.. جماهير الانقلابات

في كتابه الشهير "احجار على لعبة الشطرنج" يعرض وليام جاي كار، لخلفيات واسرار حوادث واحداث غيّرت مسار التاريخ البشري، لعبت غرف الظلام والتآمر دورا كبيرا في صناعتها، بعد ان ضللت الجماهير وعبثت بمزاجها واستثمرت فائضها العاطفي، لا سيما في اوقات الازمات الاقتصادية والسياسية التي تجعل الواقع اشبه ببالون منتفخ ويحتاج الى وخزة لينفجر.

من بين تلك الاحداث ما حصل قبيل اندلاع الثورة الفرنسية، اذ يذكر جاي كار، ان هناك مؤامرة حيكت ضد الملكة ماري انطوانيت زوجة الملك لويس السادس عشر، التي اعدمها الثوار ببشاعة، وقالت جملتها الخالدة وهي امام المقصلة: «آه ايتها الحرية.. كم من الآثام ارتكبت باسمك»!

لقد تمثلت المؤامرة بتشويه سمعتها والاساءة لشرفها، حين قام اعداؤها او المعادون للملكية بجلب امرأة شبيهة لها، والبسوها ملابس شبيهة بملابسها، واشاعوا انها تلتقي عشيقا لها في مكان ما من باريس. ومن ثم وبعد ان هاجت الجماهير وقامت الثورة، نسبت اليها جملة لا يقولها حتى الأبله والموغل في الغباء، وهي انها قابلت فوران الجائعين من المتظاهرين بالقول: «اذا لم يكن لديهم خبز فليأكلوا الكعك»!

وللاسف ان هذه العبارة صارت واحدة من الايقونات السوداء للثورة الفرنسية، يستشهد بها للتندر من سلوك الانظمة الاستبدادية او غير العادلة، مؤكدين هنا، ان لويس السادس عشر لم يكن ملكا مثاليا وعادلا ولم تكن الثورة ضده خطأ بالضرورة.

في العراق، وصبيحة يوم 14 تموز 1958 تحرك الجيش للاطاحة بالنظام الملكي، وكان من الممكن ان يكون ما حصل مجرد انقلاب عسكري، قد لا يصل الى مبتغاه النهائي في تغيير النظام، لولا ان الجماهير المعدمة التي تحركت لتأييد ما حدث ومساندة الضباط في حركتهم، كرّست الانقلاب وحولته الى ثورة شاملة اتت على الدستور والقوانين الرئيسية التي كانت تضبط معادلة الدولة السابقة، ليحل محلها دستور وقوانين جديدة، وليدخل هذا الحدث التاريخ بصفة ثورة، وان اختلفت الآراء بشأنها، وفي العموم لم تكن الجماهير التي خرجت لتأييد ضباط 14 تموز تعرف الكثير عن الحدث وخلفياته، ومستقبل الدولة العراقية في ظل الواقع الجديد الذي اسهمت في صنعه!

وبعد اكثر من اربع سنوات حين تحرك ضباط آخرون للاطاحة بالسلطة القائمة في 8 شباط 1963 حاولت الجماهير ان تتدخل وطالب بعضها بالسلاح للوقوف ضد التغيير، من دون ان يعرفوا فيما اذا كان الجدد افضل او اسوأ من الذين سبقوهم، ولعل كثيرين يرون ان من اكبر اخطاء عبدالكريم قاسم هو عدم تسليحه الجماهير ليدفع حياته ثمنا لخطئه هذا.

مؤخرا، حصلت محاولة انقلابية في تركيا، وكادت ان تطيح السلطة القائمة برئاسة رجب طيب اردوغان، لكن الاخير كان ذكيا، بعد ان استثمر فرصة اعلامية ثمينة من خلال احدى الفضائيات، ليخاطب الجماهير ويطالبها بالخروج الى الشارع وافشال الانقلاب، وفعلا خرجت الجماهير التي لم تكن جميعها عزلاء، بل كان الكثير منها مسلحا ومستعدا للمقاومة. وهكذا اسقطت الجماهير الانقلاب، ليكون ذلك مدخلا لـ "انقلاب" مضاد قاده اردوغان ضد خصومه، وقد طلب من الجماهير البقاء في الشوارع لحين دحر الانقلاب نهائيا، اي الانتهاء من انقلابه هو وبدعم جماهيري طبعا.

استخدام الجماهير، اصبح سائدا في عراق ما بعد 2003 وبشكل غير مسبوق، اذ كلما اختلف الساسة فيما بينهم، استخدموا الجماهير في مسيرات او تظاهرات رافضة او مؤيدة لأمر ما، وفي العموم ان معظم المتظاهرين لم يعرفوا او يطلعوا على بواطن الامور، لانهم يهتفون بشعارات براقة وتدفعهم حماسة لتأكيد ذواتهم والاحساس بأنهم يصنعون حدثا وطنيا، لأنهم يسعون لتغيير واقع منحرف، او لمصلحتهم في الاقل.

ومع اختلاف العقائد اختلف شكل التظاهرات وشعاراتها، وخلف تلك الشعارات انقسم الناس وصاروا يتوزعون بين الكتل والاحزاب، ويكره ربما بعضهم بعضا، ونسوا او اريد لهم ان ينسوا انهم مواطنون عراقيون وليسوا جماهير فقط، وهكذا صارت للتظاهرات العراقية مسميات متعددة، بحسب اسماء السياسيين الذين يقفون خلفها، تجير لصالحهم او تحسب ضدهم، وبحسب نوع افعالها! حتى اذا ما جاء انقلاب تركيا الذي افشلته الجماهير، صار الجميع يدرك، لا سيما الساسة في العراق وغير العراق، ان ورقة الجماهير باتت هي الاقوى، وان المستقبل سيشهد انقلابات وثورات تدبّر في الخفاء وتنفذها الجماهير، لان الامر لم يعد مكلفا او محفوفا بالمخاطر كالسابق، وايضا اصبح مقبولا ومؤيدا من قبل المجتمع الدولي، لانه يحظى بتأييد الجماهير، او "بتأييد شعبي واسع".