الوهم الإيراني

هل يمكن أن توصف إيران بالدولة العقائدية على غرار ما كان عليه الاتحاد السوفييتي السابق ومنظومة دول أوروبا الشرقية التي كانت تدور في فلكه؟

إيران هي الدولة الدينية الوحيدة في عالم اليوم. هذا مؤكد. هناك نظام شمولي يحكمها يقف على رأسه المرشد الأعلى للثورة، وهو رجل دين يمارس في الوقت نفسه دور الولي الفقيه بالنسبة للشيعة.

سلطة المرشد تتجاوز الدولة إلى المجتمع، فهو وصي على الاثنين. يمارس وصايته من ازدواج موقعه السياسي والديني. وهو ما يعني أن كل القرارات التي تحكم حركة الدولة والمجتمع لا يمكن أن تكون نافذة ما لم تحظ بموافقة المرشد الذي يتمتع بحكم كونه الولي الفقيه بسلطة مطلقة.

على هذا المستوى يمكن القول إن إيران دولة عقائدية. ولكن تلك الصفة وبسبب انغلاقها على طائفة بعينها من المسلمين تسلب إيران حقها في أن تعتبر نفسها إسلامية العقيدة، ذلك لان انغلاقها الطائفي يجعلها تقف في مواجهة أكثر من مليار مسلم لا يتبعون تعاليم المذهب الشيعي. وهنا بالضبط تكمن أسباب عزلة إيران عن محيطها الإسلامي.

في زمن الاتحاد السوفييتي كانت الشيوعية جامعة، اما اسلام إيران الطائفي فإنه يضعها في مواجهة الإسلام الجامع. وهو ما تحاول إيران تجاوزه من خلال محاولتها بسط نفوذها على الأقليات الشيعية ونشر التشيع في ظل شعار متشدد رفعه الخميني يدعو إلى نشر وتصدير الثورة.

عمليا يمكننا التحقق من ثمار ذلك المسعى الإيراني من خلال التجربة العراقية.

فالنظام السياسي الحاكم في العراق ومنذ أكثر من عشر سنوات هو نظام موال لإيران تماما. لذلك لا يحتاج الإيرانيون إلى بسط نفوذهم المباشر على العراق. فالدولة هناك تابعة لهم ولا يجري شيء إلا بموافقتهم. بدءا من تقسيم الحقائب الوزارية وانتهاء بتوزيع الغنائم بين المتعهدين المحليين.

لا أحد ينافس إيران في هيمنتها على العراق. ومع ذلك فإن العراق مستمر في إنزلاقه إلى هاوية جحيمه. لم يذق العراقيون عبر السنوات السابقة طعم الراحة والسلام والاستقرار وليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل بأن غدهم سيكون أفضل من أمسهم.

لم تقدم إيران للعراق شيئا سوى الفوضى.

وهو وعد أميركي كانت إيران حريصة على الايفاء به.

الشيء الملموس الوحيد الذي قدمته إيران للعراق هو نقل تجربتها في تأسيس الحرس الثوري من خلال لملمة الميليشيات الشيعية المتناحرة في كيان جامع، هو "الحشد الشعبي" صارت له قوة القانون، بالرغم من أنه يتألف من مجموعة من الخارجين على القانون.

ما فعلته إيران في العراق يمكن أن تفعله في أي مكان آخر، تتاح لها فيه فرصة الهيمنة على مقدرات الدولة والمجتمع. فهي لا تملك ما تقدمه للآخرين سوى الفتنة، ليس بسبب انغلاقها الطائفي، حسب، بل وأيضا بسبب انغلاقها القومي. وكما أكدت تجربة العراق فإن الشعارات المذهبية التي ضللت إيران بها جزءا من الشعب العراقي لم تكن كفيلة بإلغاء كراهيتها للعرب. نظرة سريعة يلقيها المرء على أحوال المحافظات العراقية الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية في إمكانها أن تؤكد عدم رغبة الحكومة العراقية التابعة لإيران في انهاء حالة التخلف والأمية والفقر والانحطاط المعيشي والمعرفي والقبح والفساد الإداري السائدة في كل أجزاء العراق.

على هذا المستوى يمكن القول إن إيران الفارسية هي التي تقود إيران الشيعية. تفرض الأولى على الثانية مزاجها في تصنيف الشيعة إلى درجات، يقف العرب في الدرجة السفلى من سلم الرضا الإيراني.

وهو ما ينسف الفكرة التي يروج لها الموالون لإيران من العرب. فوهم "عقائدية" إيران هو بمثابة القناع الذي يغطون به على عمالتهم التي يعتبرونها نوعا من التمسك بالمذهب والدفاع عنه. وهو المذهب الذي اتخذت منه إيران مطية لمصالحها ونزعتها القومية.