يوتوبيا الشقاء: صورة المدينة العربية الحزينة

بات الحديث عن صورة المدينة العربية مجبول بحنين حاشد بالاستعارات، ومشاعر لا تخلوا من التأسي والشعور بالمرارة والحزن. حيث الحاضر ألان يتفوق على المستقبل. ذلك انه لم يعد ممكناً الكلام عن المدينة كما كان الأمر في السابق، عبر أسئلة طموحة، تختزل مشاكل اجتماعية أو عمرانية تخصها، بل صار ثمة توصيف شديد الواقعية هو من يتقدم الكلام، يتعلق بعدد القتلى وحجم التفجيرات، وملامح الخراب، وعذابات بشرها المحاصرين بالفجيعة.

أمثلة كثيرة، تشير إلى حالة المدينة العربية واغتيال حلمها في التطلع ومواكبة عصرها في واقع عربي يمضي إلى المجهول. تلك المدن التي تحوّل الكثير منها، ومنذ سنوات عدة، إلى ساحات للحروب، تسوّرها جدران كالحة، تحمل أثار الرصاص والحرائق: بغداد، دمشق، صنعاء، طرابلس. تنوعت فيها أفعال الصراع من أجل الحياة أو الموت، وتوزعت إخبارها التي لا تنتهي عن حجم الدمار والخراب الذي يصيبها.

مدن صرفت من أجلها ثروات، واستغرقت تاريخا إنسانيا كي تكون كما هي عليه، وضحى الكثير بأعمارهم من أجل بقاءها، وفكرت عقول أكثر من أجل جعلها مدن صالحة للعيش المشترك، وفضاء يدل ساكنيها على مصير مفعم بقيم التعايش والتسامح ذلك الذي يتقاسمه الوجود الجمعي.

مدن تحولت منذ سنوات قليلة، كي تكون بمثابة ساحة عارية للصراع بين قوى محلية داخلية، وتداخلات قوى إقليمية ودول كبرى تقوم باختبارات القدرة على تحقيق النفوذ. حتى بات شكل الصراع ذاته أحجية صعبة الحل.

هكذا تبدو صور تلك المدن العربية: سماؤها تحتشد بالطائرات المغيرة، وانفجار السيارات المفخخة على أرضها، وشوارعها التي تشهد مواجهات لا تنتهي بين الفصائل والمليشيات المسلحة وعصابات القتل. تتقدمها أفعال مصاحبة تعيد توزيعا ديمغرافيا في مناطقها، وتهجير عائلاتها على أسس طائفية وأثينية.

أهل هذه المدن الذين سيتحولون إلى، منفيين، ومهاجرين يرومون الوصول إلى بلدان المهجر بزوارق الموت، أو متسللين إليها طلبا للجوء. يتركون خلفهم مدنهم التي كانت تشبههم تماما، طرقها، ساحاتها، طراز عماراتها، آثارها، دور عبادتها، وفضاؤها ألمديني الذي كان مكان للتسلية واللهو. كل ذلك التاريخ والذكريات يختفيان اليوم خلف أسوار من حواجز كونكريتية ونقاط تفتيش وأسلاك شائكة.

تداعى زمن ذلك السجال بين أفكار كانت قائمة لسنوات قليلة سابقة تبحث عن الحرية والتحديث، المفعمة بتطلعات التأسيس في الفن والفكر والأدب والسياسة، كي تتقدم بدلها تصورات لا تخفي فصاحتها العليلة عن الكيفية التي تمت بها هيمنة أحزاب الإسلام السياسي على الحياة والاجتماع والسياسة معا.

مدن باتت أشبه بموضوع محيّر وعنيف، ليس لها إلا أن تعّرف بوجودها وفي كونها مرئية عبر صور تدلّ دائما على واقع فاجع وحضور حزين. صور تتمثلها الصحافة والقنوات الفضائية والوسائطيات الافتراضية، كمشهد ضاج بعدد القتلى الجدد، ومظاهر الخراب الكالحة، ومخيمات المهجرين.

حاضر غير متوقع، وكأن ما يحصل فيه أمر غامض مثل أي مصير لم يلحظ قدومه أحد.

ليس المفكرون أو الاعلاميون وحدهم، بل حتى الفنانين أنفسهم، تخلوا عن انشغالاتهم السابقة بعقد لقاءات جمالية وإنتاج أعمال فنية كانت تطيل النظر إلى مدنهم بوصفها هوية إنسانية يتم التباهي بها، يحاكون عبرها مآلها ومشاركتهم لحياتها، وراحوا يبحثون في الحاضر عن مضامين أخرى للوحاتهم، شديدة الحزن، تشخّص الشجن بشكل أجساد عليلة وأماكن يملؤها اللون الأحمر، كناية عن الدم.

مدن ترجّل فيها المحتل بمزاعم تحقيق الحرية والتقدم، ليشغلها بعد رحيله عساكر مستبدون وعائلات حاكمة فاسدة، أفسدوا بدورهم ضمائر أفرادها، هؤلاء الذين صاروا، ولوعون باستخدام طقوس طائفية بوصفها عقيدة للخلاص، باحثين عبرها عن حرية غريبة وغائبة.

تنبئنا العدد من التقارير الجديدة حول أحوال هذه المدن، بالمزيد من الحروب التي يمكن أن تندلع فيها، وبعضها بدأ فعلاً، وربما أخرى قد تندلع قريباً. نبوءة هي ذاتها شهادة عن قدر.