ناهض حتّر.. قراءة مغايرة للحادث!

ينقل عن المهاتما غاندي، انه كان في موكب ملكي، ضم ايضا الملكة اليزابيث ياوز اليون زوجة ملك بريطانيا العظمى وامبراطور الهند جورج السادس (لم يذكر راوي الحكاية ان كان في الهند او في بريطانيا). وبينما هما في الطريق، اعترضت موكبهما بقرة، فتوقف الموكب حتى تعبر الشارع، لكن اثناء ذلك، ترجل المهاتما واتجه نحو البقرة وراح يؤدي لها واجبات الاحترام التي يؤديها الهندوس عادة. وحين عاد الى الموكب وجلس الى جوار الملكة، سالته الاخيرة وبأدب ملوكي جم، عن سبب قيامه بما قام به، او لعل تلك الحادثة (الغريبة) تجعل الفضول لمعرفة السبب لا يقاوم، ولو من قبل شخصية بحجم ملكة الامبراطورية العظمى! فرد عليها المهاتما، ردا يليق بالعظماء ممن سبروا اغوار النفس البشرية، وتثقف بطريقة جعلت منه انسانا قبل أي اشيء اخر، وان كان هندوسيا في ديانته. قال غاندي للملكة؛ يا صاحبة الجلالة، ان البقرة في بلادي تمثل ضمير اربعمائة مليون انسان! غاندي بهذه الواقعة التي قد يضحك منها البعض، ضرب مثلا في احترام خيارات الاخرين، سواء من بني قومه او من غيرهم، وهو بذلك يتصرف للتاريخ البشري ولحضارة الانسان التي تلاقحت بها الاختلافات فقدمت الافضل دائما، وتصادمت دمويا فكانت عبرا لمن يريد ان يعتبر، ولعل الكثيرين لا يريدون الاعتبار الى اليوم.

مؤخرا، حصلت في الاردن حادثة اليمة، تمثلت باغتيال للكاتب ناهض حتّر، المصنف بكونه يساريا قوميا تقدميا، وله طروحات ومواقف سياسية تستحق الاحترام، وقد جاءت هذه الحادثة بعد نشره على صفحته في الفيس بوك، رسما مسيئا للذات الالهية وللعرب المسلمين تحديدا، ظهر عليه تعليق مسيء ايضا قراناه مترجما عن الرسم الاجنبي، الاصل، والرسم هذا ينطوي على اهانة للاسلام لا يستطيع أي بهلوان مهما امتلك من قدرات ان يبررها، لانه يجسد الذات الالهية بهيئة ملك جاهل يتلصص على رجل يضطجع وسط سرير بين "حوريتين" في الجنة، وبكامل لباسه العربي! والملك الاله، يعرض عليه خدماته، فيقول له العربي ابعث لي احد الولدان المخلدين لينظف المكان، ثم يزجره منبها اياه ان يضع للخيمة بابا وان لا يتلصص عليه مرة اخرى!

الاساءة هنا مزدوجة ومؤلمة وحقيرة، لانها وان كانت تستهدف في ظاهرها الجماعات الارهابية التكفيرية، لكنها تصور العرب وكإنهم همج وجميعهم بهذه الصورة المزرية والمهينة، وهو ما كان على الراحل حتّر ان ينتبه اليه، لان الرسالة التي اراد ان يسوقها الرسم ومن وقفوا وراء تسويقه ونشره، مقصودة بعناية. وان القول بان المقصود هو رب الدواعش وليس الخالق سبحانه وتعالى،، قول مردود، لان العبارات في الحوار استحضرت حمولة القران الكريم بطريقة تسفيهية واضحة، ولا مجال للتلاعب بالالفاظ.

من دون ادنى شك ان الاساءة التي تسبب بها القتل، اسوأ من اساءة هذا الرسم السخيف نفسه، وانها اعطت الرسم دعاية سيشتغل عليها المغرضون بعد ان يجعلوا منها مادة اعلامية تشهيرية، جاءتهم هذه المرة بالمجان. لكننا نتساءل ومن حقنا ان نتساءل طالما ان الامر يعنينا كعرب ومسلمين، قبل كل شيء، عن الجهة التي تقف وراء مثل هذه الرسوم المسيئة للاسلام، والتي تظهر بين مدة واخرى، في وسائل اعلام اوروبية، وتتسبب بردات فعل غير منضبطة من قبل الناس البسطاء المتدينين، الذين يعبرون عن مشاعرهم بطريقة عفوية وغير لائقة، وتسهم في زيادة الاساءة للاسلام، الذي علمنا في الاية الشهيرة في القران الكريم التي تقول "اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" والتي هي من اروع الايات التي تحتقر السفهاء من دون ان تبرر لاحد قتلهم او حتى الرد عليهم، لانهم لا يستحقون الرد، او هذه هي اخلاق الاسلام حين نفهمه بشكل دقيق.

ونتساءل ايضا، هل سمعتم يوما بمفكر كبير، اسلامي او علماني، من التنويريين الذين نقدوا تاريخ الاسلام بطريقة علمية بقصد تصويب بعض المواقف التي سوّقت للناس خطأ في مراحل معينة، لجأ الى هذه الاساليب او انفعل بها واشتبك مع مروجيها، او رد على نتاجهم الهابط هذا؟ نعم ان الكثيرين من المفكرين الذين لديهم مواقف من القضايا الخلافية بين الاديان والطوائف، قدموا طروحاتهم بطريقة علمية وحضارية اغنت الحوار، ولن يتوقفوا عند هذه الطرق الاستفزازية التي لا تضيف للحوار أي شيء بقدر ما تقطعه وتحوله الى شتائم تذكرنا بعراك نساء الحارات الشعبية سابقا!

استطيع القول وبثقة، ان القيمة الرمزية لما يقوم به هؤلاء ممن يسمون انفسهم رسامين، تتعادل مع القيمة الرمزية للردود غير المنضبطة عليها، وان وصف الردود الانفعالية للبسطاء بانها غير حضارية لا يكتمل الا بوصف الرسامين هؤلاء بانهم غير حضاريين ولا يفهمون لغة الحوار بين البشر، وانهم همج مقنّعون بمدنية زائفة بالتأكيد.

كان علي الراحل حتر، ان ينأى بنفسه عن هذه الترهات ولا يعطي فرصة للمتعصبين والجهلة ان يقدموه وسيلة ادانة للعقل العربي، كما يحاول ان يعمم البعض هذه الحوادث، لكن الذي حصل قد حصل والجريمة وقعت وان علينا جميعا، الابتعاد عن تلويث وعينا بالانغماس في مجادلة السفهاء سواء بهذه الرسوم او غيرها، وان ننقد ذاتنا لنتنزه عن ان نكون جزءا من جدالات لا تأتي بغير الخراب لنا جميعا!