الدستور العراقي وبيت الداء السياسي

يقول الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو "القوانين الجيدة تؤدي الى خلق قوانين افضل، والقوانين السيئة تؤدي الى قوانين اسوأ."

في رحلة القوانين، نزفت البشرية الكثير من الدم واضاعت الكثير من الوقت، كي تضع عربتها على سكة الخلاص. والامر في احد اوجهه، يشبه، احيانا، الجدل البيزنطي، المتمثل بالقول، الدجاجة من البيضة ام البيضة من الدجاجة؟ بمعنى، هل ان مأساتنا في عدم وضع قوانين جيدة، ام اننا لم ننضج بما يكفي لسن مثل هذه القوانين؟

لنكف عن الاسئلة، ونتوقف عند راهننا العراقي، وتحديدا عند ما يسمى بأبي القوانين، ونقصد الدستور، الذي يمثل اليوم كارثة العراق الحقيقية، لانه انتج لنا حزمة من القوانين التي استلها منه المشرعون العراقيون.

من يعود الى الدستور، يجد انه في ابرز مفاصله التي تتعلق بوحدة الدولة، يمثل دعوة واضحة للتقسيم، وهذه هي العقدة الكبرى التي تعطل عندها قطار العملية السياسية، لان دستورنا يتكلم بخلاف ما يتكلم به غالبية العراقيين، فهو يدعو الى اقاليم، لكل اقليم منها قوانين ودستور "فرعي" خاص به يجعله دولة شبه مستقلة، لا ينقصها الاّ الاعلان، والذي سياتي بالضرورة لاحقا طال الزمن او قصر، اذا ما بقي هذا الدستور، لتنهي دولة كان اسمها العراق.

دستورنا يتحدث ايضا عن ما يسميها "مكونات الشعب" بدلا من مواطني الشعب، وعن جيش ينبثق من تلك المكونات على اساس النسب، وليس جيشا وطنيا ينبثق من عموم الشعب ليعكس وحدته، كما في كل دول العالم، وبذلك اتت جميع القوانين التي يجب ان لا تتعارض مع الدستور، سيئة في اغلبها، لانها اتت من "مرجع قانوني" سيء، وهذا ما أراد قوله او الاشارة اليه جان جاك روسو.

الاهم من كل هذا والذي يجب ان نعرفه ويعرفه ايضا ساسة العراق اليوم، هو ان القوانين الوضعية تكتبها الدول والحكومات من خلال مشرعين تختارهم في وقت محدد ولم تنزل من السماء، وعندما تكتشف انها تعرقل الحياة في بعض مفاصلها، تتراجع عنها لتبحث عن قوانين جديدة، وهكذا، اما نحن فقد وضعنا قوانين سيئة للغاية من اجل ان نقيم بها "دولة جديدة". ثم وجدنا انفسنا عالقين بينها ولا امكانية لنا بتغييرها بحكم الدستور نفسه العصي على التغيير، وايضا لا يمكننا ان نبني بها دولة تحتاج الى قوانين صحيحة او جيدة، لنكتشف اننا في شبه عراء قانوني. واليوم لا ندري كيف سنبني دولة قوية والقوانين والدستور ضد ذلك، وكيف نوحد البلاد والمغرمون بالدستور وبالاقاليم ضد فكرة الدولة الموحدة ولديهم "مرجع قانوني" بذلك؟

اجزم، ان اغلب ما حصل للعراق بعد العام 2003 الى اليوم ما كان له ان يحصل لو ان لدينا قوانين موضوعية، نظرت الى واقع العراق من زواياه المختلفة، وعالجت مشاكله المتوارثة بعقلية منفتحة تتجسد بدستور عملي وليس دستورا مليئا بالتهويمات اللغوية ومفخخا بالغام التقسيم الجاهزة للانفجار باية لحظة.

اليوم، يوجد بيننا من يطالب بإقليم للموصل ومن يطالب بإقليم للبصرة، واقاليم اخرى يطالب بها اخرون، وكل منهم يمتلك "الحق الدستوري" في ما يطرح، لكن هذا الطرح يصطدم بعقبة الشعب الذي يرفض فكرة التقسيم، وان جاءت بصيغة ناعمة ومراوغة كهذه، ما يعني ان هذا الدستور لم يعد صالحا لشعب العراق، وان تكبيل الناس به وفرضه عليهم بحجة انهم صوتوا عليه باستفتاء، جرى في ظل الاحتلال والفوضى العارمة التي كانت تعصف بالبلاد، يعني اننا نمارس الكذب على انفسنا وعلى التاريخ الذي لن يترك شيئا الاّ وسيقوله في المستقبل.

لنبني الدولة من خلال دستور عملي يعكس ما في عقولنا وقلوبنا، وبخلاف ذلك لن ننتصر على مشاكلنا التي ستتفرخ باستمرار، ولن تنتهي حتى بعد تحرير الموصل!