العلاقات العراقية التركية.. ملاحظات ومقترحات لإنهاء مظاهر التوتر والقطيعة

علاقات العراق مع تركيا شهدت هذا العام تدهورا خطيرا على كل الأصعدة، ربما وصل مرحلة القطيعة، بعد ان كان هذا التدهور يسير بخطى متسارعة في الأعوام الماضية. وكانت تلك العلاقات حتى قبل خمس سنوات وما قبلها في أوجها، حتى ان ميزان التبادل التجاري بين البلدين قد تجاوز العشرة مليارات دولار، وكان النفط العراقي المار عبر خط الانابيب التركي الى ميناء جيهان وموانئ التصدير على بحر ايجه، المورد الأساس لثروة العراق، وهي من كانت تغذي ميزانيته بموارد النفط الضخمة، وكانت تلك العلاقات قبيل عقود من السنين على الوتيرة نفسها من التقدم المتسارع، وكانت العلاقات تمر بفترة ذهبية تتميز بها عن كل علاقات العراق مع دول العالم الى وقت قريب، حتى بضمنها الولايات المتحدة، التي أقامت نظامه السياسي، ومدته بعوامل البقاء حتى الان. وتجد البضائع التركية اقبالا واسعا من ملايين العراقيين حتى بضمنها محافظات الوسط والجنوب، بل وتكاد تغزو السوق العراقية لرخص أثمانها ونوعيات انتاجها الراقية.

لكن تلك العلاقات شهدت أوج توترها وتعثرها ما قبل شهور، وبخاصة إبان أزمة معركة الموصل، وما نتج عنها من حالات عدم تفاهم وانسجام وحالات من التصعيد الخطير كان كل من العراق وتركيا السبب في أن تصل تلك العلاقة الى ما يشبه القطيعة.

وهنا لا بد من سرد جملة ملاحظات ومقترحات مهمة، تؤشر أسباب هذا الانحدار والتدهور في العلاقات العراقية التركية، وسبل اصلاح الخلل بها،لاعادة تلك العلاقات الى ما كانت عليه، ووفقا للنقاط التالية:

1. شهدت العلاقات العراقية التركية أولى حالات التراجع النسبي، بعد حادثة إختطاف العمال الاتراك في ملعب رياضي في منطقة البلديات قبل أكثر من عام، وكانت تلك الواقعة القشة التي قصمت ظهر البعير، وكانت قد سبقتها حملة دعائية تروج لمقاطعة البضائع التركية في اسواق الوسط والجنوب، وعمليات اختطاف لمسؤولي شركات تركية في البصرة ومحافظات أخرى، مدفوعة من جهات ايرانية، لابقاء البضائع الايرانية وشركاتها هي الوحيدة التي يسمح لها بالعمل في العراق وهي تحتكر المناقصات والمزايدات العديدة في السوق العراقية، بعد أن أغاضها إزدهار التبادل التجاري بين البلدين، لهذا شجعت بعض الجماعات المسلحة وبدفع من تجار يعملون لصالحها، وبعضها هي من يمارس سطوة التجارة للعبث بتلك العلاقة والعمل على توتير أواصرها، لكي تكون الشركات والبضائع الايرانية هي من تهيمن وحدها على السوق العراقية،وكانت لها ما ارادت!!

2. ربما كانت معركة الموصل وما رافقها من حالات تصعيد وتوتر من الجانبين احدى العلامات غير السارة في تلك العلاقات وانخفض مستوى التبادل التجاري بين الجانبين، وشهدت تلك العلاقات كذلك حالات تصعيد في الحرب الكلامية، وقد بلغت ذروة التصعيد قبل شهرين، بسبب أزمة التواجد العسكري التركي في بعشيقة، وما رافقه من حملة تصعيد تركي قابله تصعيد عراقي، وكلا تلك الحالتين لم تكن مبررة، إذ كان كلا الطرفين يبالغان بمخاطر توجهات الطرف الآخر، ولم يبذلا ما يمكن من سبل الحوار، لاصلاح أحوال تلك العلاقة التي راحت تنتكس يوما بعد آخر، ولا تليق بدولتين جارتين، تربطهما علاقات تجارية وسياسية كانت مثالا لأرقى علاقة دولية دامت قرونا، ولم يبذل الطرفان بما يمكن من سبل الحوار الايجابي والبناء لاصلاح ذلك الخلل وحالات سوء التفاهم. وللتاريخ يمكن ان نقول ان الجانب التركي كان هو من يسير بإتجاه التصعيد، لأن العراق كان في وضع عسكري واقتصادي لا يسمح له بأن تحدث مواجهة مع اية دولة مجاورة بضمنها تركيا، بالرغم من تدهور العلاقات معها، ولو ان المسؤولين الاتراك استخدموا الطرق الدبلوماسية ولجأوا الى تفعيل الحوار البناء وازالة مخاوف الطرفين تجاه التصعيد، لما وصلت تلك العلاقات الى تلك الحالة التي يرثى لها الان، ولم يكن هناك من مبرر ان تصل مديات تدهورها الى ما وصلت اليه. وكان التسرع في اطلاق التصريحات التي تثير الآخر وتشعره بعدم الارتياح، هو الطابع الذي حكم تلك العلاقة، وكانت إيران اكثر الرابحين من انتكاس تلك العلاقات، ليكون بمقدورها ان تتحكم في مسارات اقتصاد العراق وترهنه لصالحها، وقد حصلت على مبتغاها، في انها بقيت الدولة الوحيدة المجاورة للعراق، التي تتحكم بمساراته الاقتصادية وتهيمن على سوقه التجارية، بالتعاون مع ساسة عراقيين ورجال اعمال وجماعات مسلحة تريد لايران ان تكون هي الوحيدة من تمسك بالملف العراقي، ولن يسمحوا للآخرين بأن تكون السوق العراقية ملاذا آمنا لتجارتهم معها.

3. وبالنتيجة يتحمل المسؤولون الاتراك الجانب الأكبر من حملة التصعيد الكلامي التي عادت على بلادهم بخسارات باهظة ما كان هناك مبرر عقلاني للنزول الى تلك المنحدرات في العلاقات، لكي تشهد حالات قطيعة بهذا الشكل، انعكست بشكل خطير على تركيا نفسها، ويبدو ان تبعات محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة هي من ألقت بظلالها، على تلك العلاقات، وسارت بها الى مديات صبت الزيت على النار لتزداد تدهورا. ولم يلجأ المسؤولون الاتراك الى خبراء في العلاقات العامة للعمل على ترميم تلك العلاقات مع العراق، وهي الان تحتاج الى فترات طويلة، لكي يصلح العطار ما أفسده الدهر، حتى أن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر كما يقال. وظهر أن تركيا كانت الخاسر الأكبر من هذا التصعيد، بالرغم من خسارة العراق نفسه من تدهور العلاقات. وكان من الممكن مد خيوط الوصل بعد فترة إنقطاع كانت الأسوأ في تاريخ العلاقات، ولم يكن لها مبرر على الاطلاق، على الرغم من كل مبررات تركيا في دفاعها عن أهل الموصل وتهديدها بالدخول في مواجهة مع القوات العراقية، التي تعرف تركيا قبل غيرها، أن العراق غير قادر على الدخول في مواجهات عسكرية من هذا النوع، في وقت يبحث العراق الان عن مخرج لانهاء تواجد داعش على أراضيه.

4. واذا ما توفرت الان النوايا الطيبة والرغبة الصادقة من الطرفين في إصلاح الخلل الخطير الذي وصلت اليه مديات العلاقة، فأنه وعن طريق حوار ايجابي فاعل وبعيدا عن كل المزايدات السياسية للعمل على فتح آفاق من العلاقات البناءة التي تخدم مصلحة الطرفين، بعيدا عن حساسيات الايام الماضية، وان يعاد تصحيح لغة الخطاب بين الطرفين، بما يمكن اعادة ترميم أواصر علاقات التعاون الاقتصادي والسياسي بما يعود بفوائد جمة على الطرفين، وبخاصة ان قضية الموصل في طريقها الى الحل، وان يتم بسط سيادة العراق على أراضيه، ومن غير المعقول ان يبقى الاتراك راكبين رؤوسهم والمياه تجري من تحت أرجلهم، في ان يكون بمقدور دول أخرى مثل ايران تغتنم فرصة تدهور العلاقات بين انقرة وبغداد، لكي تيقى هي المهيمنة على السوق العراقية وعلى الساحة السياسية العراقية بشكل عام.

5. أن يدرك الطرفان العراقي والتركي وعموم القوى السياسية العراقية بكل توجهاتها وبخاصة التي لديها علاقات متينة مع تركيا، حقيقة تكاد تكون خطيرة، وهي أن القطيعة ليست في صالح البلدين، ولا في صالح شعبيهما، وان إعادة اصلاح الخلل في تلك العلاقات والعمل على اعادة مساراتها كما كانت عليه، سيعود بفوائد جمة، تنعكس بشكل ايجابي وفاعل على اقتصاد البلدين، ويسهم بسد ثغرة وردمها في جدار العلاقات، تهدد مستقبل علاقات البلدين والشعبين الجارين المسلمين بالمزيد من المخاطر مستقبلا، وربما تنجم عنها حالات كارثية تفوق مخاطر داعش، ويكون كلا البلدين من أكبر الخاسرين من تلك القطيعة التي ليس لها مبرر على الاطلاق.

6. ان تبذل كل الجهات العراقية التي لديها صلات ووشائج من العلاقات الايجابية مع تركيا ان تلعب ادوارا ايجابية لدى كل الطرفين للعمل على ترميم جدار العلاقات وإصلاح الخلل الرهيب الذي أصابها، وتجاوز كل ما يمكن من رواسب الماضي القريب وما رافقته من حملة صخب دعائي وسياسي في التصريحات، والسير باتجاهات التهدئة وانهاء عوامل التوتر وانهائها بسرعة، لكي يكون البلدان قد وضعا قدميهما مرة أخرى على الطريق الصحيح الذي يعيد تلك الوشائج القوية من علاقات التشابك الاقتصادي الى ما كانت عليه، وان تتم ايقاف الحملات الدعائية السوداوية لتسود لغة خطاب متعقلة تزيل حالات التشنج والتوتر وتعود مياه دجلة الصافية الى ما كانت عليه من الجريان، بعد ان تعكرت تلك المياه لفترة وجيزة، ومن المصلحة العليا للبلدين، تجاوز تلك المحنة وتخطي عقباتها، حتى تعود الى عهودها السابقة، يوم كانت تعيش ازدهارها على كل المجالات، وأمل ملايين العراقيين ان تعاد العلاقات بين تركيا والعراق الى سابق عهدها في أقرب وقت، إن أريد لشعبي البلدين أن يعيشا بأمن واستقرار وطمأنينة، بما يعود عليها بالخير والبركة، وان قادة البلدين لا بد وان تكون لديهما مثل هذه الرغبة نحو فتح آفاق أفضل، تسهم بانجاح جهود اصلاح العلاقة لتعود قوية لم تقف بوجهها نوائب الدهر وأحابيل السياسة التي أخذت من جرفها الكثير.

7. هناك حقيقة يجب ان يدركها الكثيرون وهي ان العراقيين جميعهم غير راغبين بأن يتحول العراق الى ساحة صراع ايراني تركي، كونه سينقلب وبالا وكوارث على العراقيين أنفسهم، وهم يدعون الطرفين الى ان يضعا خلافاتهما جانبا، واذا كانت لدى تركيا مخاوف من الوجود الايراني على الأرض العراقية، فعليها ان لا تكون طرفا في هذا الوجود، الذي يسبب القلق لملايين العراقيين الذين يسوءهم ان يستبدلوا التواجد الايراني بتواجد تركي، وهم غير راضين عن تحكم دول أخرى بمسارات سياسة بلدهم، وهم ينظرون الى ان أي تدخل وصراع طائفي ايراني تركي، سيدخل بلدهم في متاهات التقسيم والتشرذم والحروب الأهلية، التي إن كانت لها بداية فلن يكون لها نهاية ومن الافضل ان يكف الجميع عن التدخل في الشأن الداخلي العراقي، فالعراقيون إخوة متحابين، لن يكون بمقدور رجال ساستهم الطائفيين ان يفرضوا على العراقيين خيارات الاحتراب الطائفي،وهو خيار مر لن يتجرعوا كؤوسه مرة أخرى.

8. يحاول البعض من ساسة العراق إثارة مطامع الآخرين ضد بلدهم، وكأن إيران وصية على العراقيين من طائفتها، وتركيا وصية على العراقيين من طائفتها الأخرى، وبدون اللجوء الى هيمنة الآخر من وجهة نظر هؤلاء،فأن الطائفة الاخرى سيكون مصيرها الزوال، وهذا خطأ تاريخي يثلم كرامة العراقيين، فالعراقيون غير راغبين أصلا في أن يكونوا تحت وصاية أحد لامن ايران ولا من تركيا، وتاريخهم الممتد عبر آلاف السنين وحضاراتهم التي بنوها بعقولهم ودول المؤسسات التي أقاموها في أزمنة غابرة تكفيهم شرفا ان يبقوا ينهلوا من ذلك التاريخ البهي وامجاده وبطولات ابناءهم ما يرفع رؤوسهم الى السماء.

9. اذا كانت تركيا قد أسهمت قبل سنوات في استقبال آلاف اللاجئين العراقيين بعد الاحتلال الأميركي للعراق وما اعقبه من صراعات وحروب طائفية، وأسهمت في استقرار العراق، فمن المصلحة العراقية أن تحافظ على هذا التاريخ الذي يسجل لها على أنه خطوة ايجابية، أن خففت عن كثير من العراقيين أعباء الغربة والتشرد، ولكن ان تبحث عن مبررات للدفاع عن اية طائفة على شاكلة ايران، فأن من شأن هذا ان يصب الزيت على النار لتوقد حروب طائفية، ومن الأفضل ترك العراقيين هم من يدرأون تدخلات الدول الاخرى وتشجيعهم على هذه الخطوة، بدل ان تدخل تركيا في مواجهة على ارض العراق تحت عناوين طائفية فهذا أمر يعقد المشكلة بدل ان يبحث عن سبل انفراج للخلاص من تبعاتها الضارة على المستقبل العراقي.

10. ان العلاقات التاريخية الوشيجة بين العراق وتركيا، كفيلة بأن تردم كل الفجوات التي زادت من حالات التباعد والافتراق، وان العراقيين جميعا من كل الطوائف لا ناقة لهم ولا جمل في أي توتر في تلك العلاقة، وان على ساسة تركيا وساسة العراق، أن لا تغيب عنهم هذه الحقيقة، أن تركيا لم ير منها العراقيون حتى الان ما يمكن ان يخشونه منها من مطامع وان الدولة العثمانية لن تعود من جديد، لكن أرثها الايجابي سبقى له الأثر الفاعل في مسارات تاريخ المنطقة، ولن يكون بمقدور أي منا نكران ذلك التاريخ، لكن العراقيين لن يعودوا الوراء، وهم يريدون ان يعيدوا بناء بلدهم على أسس من التعايش السلمي بين مكوناتهم وأقلياتهم، وليس لأي طرف إقليمي دخل في ترتيب بيتهم الداخلي، وعلى من أوغل في التدخل في الِشان العراقي أن يكف عن مثل تلك التدخلات. فالعراقيون قد تجاوزوا حدود الصبر، وهم يدركون جيدا انهم لن يقبلوا بعد الان وصاية من أي نوع عليهم، كما أنهم لن يكونوا عامل توتر وعدم استقرار لكل دول المنطقة، وبالتالي على كل دول الجوار العراقي ان تدرك هي الأخرى ان العراق خط أحمر وعليها احترام خيار العراقيين في بناء شكل النظام السياسي الذي يرغبون وان يحافظوا على سيادته واستقلاله، وان محاولات الآخرين لاستعباده او المس بمصالح بلده سوف تقابل برد مقابل، ولن ينجو من عاقبة العراقيين من حاول الإساءة اليهم او فرض وصايته على مقدراتهم من اي كان، وقد وعى العراقيون كلهم هذه الحقيقة ولن يحيدوا عنها مرة أخرى.

هذه ملاحظات ومقترحات مهمة سردناها، في هذا الاستعراض،لكي نضع تلك العلاقات على الطريق الصحيح،بعد ان انحرفت سكتها عن مسارها لفترة وجيزة، وعلينا ان نعيد المياه الى مجاريها بين البلدين، وهما جاران مسلمان يرتبطان بتاريخ مشترك، لكي تبلغ تلك العلاقات الايجابية مدياتها المتطورة والمزدهرة مرة أخرى.