غرب يمضي إلى التطرف

لم يعد ثمة أعداء قادمون من الخارج لكي يهددوا قيم الغرب وإزالة نموذجهم القائم على الحرية والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان وتقبل التعددية. أن أعداءه ألان في داخله، أقلية من أبنائه غير الشرعيين كما ينظر لهم. هؤلاء الذين هاجروا إليه، سكنوه، حملوا هويته، واحتموا به هربا من صراعات شهدتها بلدانهم، كما في العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، أفغانستان، الصومال، وغيرهم من دول أخرى، ذلك ما صارت تبشّر به أحزاب اليمين وتياراتها المتطرفة في غرب بات يزداد عنصرية.

اللاجئون هؤلاء هم من باتوا يهدد المستقبل وطمس الهوية. هكذا تبرر تلك الأحزاب المتطرفة في أوروبا، خطاباتها الحاشدة بالشعبوية، الداعية الى ممارسات عنصرية ضد الأجانب، وتوجيه المخاوف والقلق وتذكية الكراهية ضدهم. لا مصداقية لهذه الأحزاب إلا في خطابها المعادي للاجئين، المناصر للغطرسة والإقصاء. وهو ما تحقق بالفعل من خلال مكاسبهم الانتخابية وفوزهم بمقاعد في البرلمانات، في فرنسا، بريطانيا، هولندا، النمسا، الدنمارك، السويد، هنغاريا، اليونان، وتعزيز حضورهم في البرلمان الأوروبي.

مثل هذه الشعبوية هي، أيضا، من تمنحهم دعما قويا في انتخاباتهم القادمة، فرغم إدانة محكمة هولندية، منذ أيام، للسياسي اليميني خيرت فيلدز، النائب في البرلمان الهولندي، بتهمة التحريض على الكراهية، على اثر وعده لأنصاره بتقليل المغاربة في بلاده، يجد العديد من الخبراء السياسيين في أمستردام، أن هذه المحكمة يمكن أن تعطي لفيلدز دعما مؤثرا في الانتخابات البرلمانية القادمة في العام 2017، بعد تقدم حزبه "من أجل الحرية" باستطلاعات الرأي منذ بدء المحاكمة.

يعزى انتشار الخطاب السياسي الشعبوي، والذي اثّر بدوره على الناخب الأوروبي في انتقاله الى أحزاب اليمين واليمين المتطرف، الى تأثيرات البطالة، الكساد الاقتصادي، زيادة الهجرة، والنظر الى مزاحمة اللاجئين لوظائف الأوروبيين، تسجيل أعمال العنف وما تبعها من أحداث كما حصل في بروكسل على اثر سقوط 34 قتيلا وإصابة 135 جريحا، المخاوف المعلنة من تأثيرات الاندماج من قبل اللاجئين على خصوصية الهوية الوطنية للبلدان الأوربية، تواطؤ الإعلام الغربي من خلال سيطرة اليمين المتطرف وإشاعة الاسلاموفوبيا. جميع تلك الأسباب أدت الى ارتفاع مكاسب هذه الأحزاب على حساب الأحزاب الوسطية والمعتدلة.

لقد باتت الانعطافة السياسية في الغرب، تنحى الى أعادة تسليح الخوف ضد ألأخر، اللاجئ الغريب، وإفساد التوافق معه، والذي بات يتم التعامل معه بكونه خصما في صراع تم افتراضه وفق ذرائع يشوبها الغموض والالتباس والذي نجده، خاصة، في إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام، وضمن هواجس يؤطرها جدل وتصورات سطحية وتبسيطية، نمطية ومختزلة.

لم يعد الغرب يثني على التعددية والقبول بالأخر، بوصفهما أرثا تاريخيا تحدّر إليه من عصر الأنوار الأوروبي، بل صار يؤثر عليهما اعتبارات الأمن والمعيشة والشوفينية. فوز فرانسوا فيون للمرة الثانية بأغلبية كبيرة، كمرشح لليمين في الانتخابات الفرنسية المقبلة، كان من أسبابه التماهي من قبل الناخب الفرنسي بفكرة أن الإسلام يتناقض مع قيم الجمهورية الفرنسية، وهو الخطاب الذي كرره، على الرغم من اقتراحه، في حالة انتخابه رئيسا، إلغاء 500 الف وظيفة عمومية، ورفع ساعات العمل الى 39 ساعة بدل عن 35 كما أقرها الاشتراكيون قبل سنوات، ورفع سن التقاعد ثلاث سنوات إضافية.

تعلن المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل عن ترشحها لولاية رابعة، التي ستجري في خريف العام المقبل. تقول عن ترشحها هذا، بكونه دفاعا عن القيم الديمقراطية في مواجهة تنامي تيارات الأحزاب الشعبوية والمتطرفة في الغرب، مبينة أن ما يواجهها هي الحرية ودولة القانون وسط وضع دولي "ينبغي أعادة تقويمه بعد الانتخابات الأميركية" ووصول رجل الأعمال دونالد ترامب الى البيت الأبيض والتي ذكرته بأهمية احترام القيم الديمقراطية.

ينظر خبراء سياسيون الى المستشارة الألمانية ألان بوصفها المدافعة الأخيرة على القيم الليبرالية لأوروبا. فشلها يعني انتصارا حاسما لحزب البديل الألماني اليميني المناهض للاجئين. وفي ظل مخاوف وتكهنات غامضة ستزداد من تقدم محتمل للخطاب المتطرف على الساحة السياسية وسيطرة أحزابها على مقاليد الحكم في أوروبا، خاصة، ما بعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2017، والخشية من فوز مارين لوبان، عن حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، والتي يحضى خطابها المتطرف والمناهض للمهاجرين والإسلام بتعاطف من قبل الكثير من الفرنسيين.

التطرف وهاجس الخوف الملازم للأوروبيين، هو ليس مماثل لذلك التطرف في الشرق المتولد جراء الحروب والعنف. انه من نوع مغاير تنامى جراء تتقهقر وتراجع الخطاب المدافع عن النموذج الديمقراطي الغربي الذي تم اختزاله بوصفه فعلا انتخابيا، وتوافقيا لجهة تخليه الدفاع عن حقوق الإنسان، متمثلا بانعدام المساواة، العداء ضد الأقليات، ومتراجعا أمام هيمنة الليبرالية الجديدة، وفرض قواعدها وقيمها، سواء بنفوذها وتغوّلها الاقتصادي، أو في إخضاعها لما هو اجتماعي وسياسي لسلطة المال المتوحش، واحتكارها للمجال العام عبر مبدأ الاستهلاك، حتى بات يقال أن الغرب لم يعد يمارس الحرية بل يستهلكها.

هل ننتظر غربا في طريقه للتخلي عن المشترك الإنساني وقيم التعددية المجتمعية، بذريعة حرية يحتكرها اليمين المتطرف، والداعية الى مزيد من الخوف من الآخر بكونه تهديدا لوجودها؟ ذلك ما ستخبرنا به أحداث العام القادم.