توريث النساء

أستغرب كثيرا من المتزوجة التي تطالب أهلها بحصتها من إرث أبيها، فهي تعلم جيدا أنه لا يوجد قانون يحميها في حال طلاقها وخروجها من بيت الزوجية، وهي تعلم أن المال الذي تجلبه من بيت والدها تنفقه على بيتها وأطفالها وزوجها، وتعطي كل ما بوسعها للحفاظ على حبل الود موصولا بينها وبين زوجها، وإذا لم تفعل ذلك فإنها معرضة لسيف التعدد أو الطلاق. والرجل المسلم يعي ذلك جيدا، وهو يمارس الضغط عليها لكي تنفق كل دخلها على البيت لمساعدته والوقوف إلى جانبه، فهي إذن زوجة وأم وعاملة وخادمة وتقوم بعشرات الأعمال يوميا، ولا يوجد صمام أمان لها سوى رضا الزوج، وإذا ما غضب، فالويل لها، من الزواج عليها أو تطليقها. وهذا شائع جدا في البلاد الإسلامية ما لم يكن الزوج ثريا.

في ضوء هذا الوضع، لا يمكن توريث النساء، لأن مالها سيذهب إلى زوجها، لأن بيده سلاحين هما التعدد والطلاق دون مكافأة نهاية الخدمة. وحدث كثيرا أن غضب الأزواج الذين رفضت زوجاتهم أخذ ميراث من أهلهن، وقاموا بتطليقهن، لأنهم اعتبروا ذلك الموقف تفضيلا للأهل على الزوج. والغريب أن الزوجة تكون عاملة ولها راتب شهري أو لديها عمل خاص كالخياطة أو التجميل أو غير ذلك، وهي تنفق دخلها على بيتها وأسرتها، ولكن هذا الزوج يستغل الترخيص الممنوح له ويصول بسيفه، فإما أن يستولي على كل شيء، أو أن يتزوج بأخرى أو يطلق الزوجة الأولى بحجة أنها لم يعز عليها رضاه، ولم تطب له نفسها عن مالها.

يجب حماية المرأة وممتلكاتها بتعديل قانون الأحوال الشخصية أولا، ومن ثم يمكن للمرأة أن تطالب بنصيبها في إرث والدها. لأنه لا معنى أن تشارك براتبها في نفقات الأسرة وعندما يفترقان لا تحصل على شيء، فإذا كانت قد أنفقت مال أبيها على الأسرة أيضا، فإنها تصبح تحت رحمة الجميع وهذا موقف جاهلي يتساوى مع جريمة وأد البنات التي كان الناس يرتكبونها قبل الإسلام. فلماذا تترك النساء وحدهن دون حماية القوانين، وتواجه ضغط الزوج وغضب الأهل، إنه موقف لا تحسد عليه أية امرأة.

لقد كثرت الأصوات المطالبة بتعديل القوانين، ولكن لا مجيب لها، فالمرأة لا تريد هدم بيتها، والزوج يريد الاستحواذ على كل شيء، والأهل مستاؤون من الموقف، فلا يستطيعون حرمانها وتركها في مواجهة مع الزوج ولا يستطيعون توريثها ليستولي ذلك الزوج على كل شيء في غياب القوانين الملزمة له بالتكفل بالإنفاق على الأسرة وقسمة الأملاك في حالة الطلاق، خاصة وأن المحاكم الشرعية تعمل بمقتضى الآية الكريمة "فلينفق كل ذي سعة من سعته"، ولا يوجد إلزام للزوج على الإطلاق، فهي مسألة متروكة لشهامة الزوج، وهم لا يعرفون أن كثيرا من الرجال (وليس جميعهم) يتفاخرون بـ "شطارتهم" عندما يفلتون من النفقة بالمراوغة والكذب، وليس زماننا زمان شهامة ونبل وفروسية، بل أن بعض النساء يرتبطن بصعاليك ويعانين طوال حياتهن، فإذا كانت القوانين غير صارمة، فإن المرأة ستنفق دخلها وورثها وتبيع مصاغها في سبيل إرضاء هذا الزوج المغوار، وتبقى تحت رحمته كي لا يتزوج بأخرى أو يطلقها، فتخرج صفر اليدين وتضيع جهودها وأموالها وعمرها هباء.