سياسيون بالفطرة ولكننا نجهل السياسة

هل يملك العرب وقتا للتفكير في السياسة؟

في العالم، كل العالم ينحصر التفكير السياسي بنخب بعينها. تلك نخب أما أنها تعمل في السياسة بشكل مباشر أو هي مهتمة بالشأن العام، بما يجعلها تراقب السياسات المتبعة من جهة تأثيرها على المصالح العامة.

اما عامة الناس فإنها في حل من الارتباط بالشأن السياسي، بالرغم من شعورها بالمسؤولية حين يتعلق الأمر باختيار مَن يمثلها في المجالس النيابية والبلدية.

العامة التي تمثل الأغلبية لا تهتم بالسياسة، بسبب أدراكها أنها عن طريق ذلك الاهتمام انما تضيع وقتها العزيز. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن السياسيين وهم أقلية يقومون بأداء وظائفهم بالطريقة التي تعفي العامة من مشقة وعناء الاهتمام بنوعية ذلك الأداء.

في العالم، العالم كله يسخر الناس من السياسيين، لذلك فإنهم لا يدخلون السياسة إلى غرف نومهم ومطابخهم وغرف الاستقبال في بيوتهم ولا يصطحبونها في نزهاتهم اليومية ولا يمارسون رياضة الملاكمة معها ولا يفرشون لها الموائد العامرة.

إلا في العالم العربي فإن الحديث في السياسة هو مقبلات.

يسألك صديقك أو زميلك في العمل "ما الأخبار؟" وهو لا يقصد شأنك الشخصي، بل ما هو جديد في عالم السياسة. الأخبار هي نشرتها في المحطات الفضائية التي صارت تسري مثل أعراض وباء جماعي مؤقت.

"لا شيء جديد" هو جواب صادم لمَن يسأل. فلو لم يكن هناك شيء جديد لما حمل نفسه مشقة سؤالك. ثم ما الذي يمكن أن تتحادثا به إن لم يكن هناك شيء جديد؟

ربما تتحدث العامة في العالم العربي في الشأن السياسي أكثر مما يتم تداوله في الدوائر السياسية المغلقة. السياسة هي عبء اجتماعي، صار عنوانا لثقافة مجتمع، يستمع ليفكر بما يعينه على القبول بما استمع إليه. مجتمع الأخبار هو في حقيقته ماكنة تعيد انتاج الحياة السياسية عن طريق تحويلها إلى منمنمات حكائية.

قد يكون مضحكا أن يُقال إن العرب هم سياسيون بالفطرة.

وهو قول يحمل نصف الحقيقة. فالعرب في الحقيقة لا يفهمون من السياسة سوى الأخبار. وهي غالبا ما تكون مجرد اقنعة. الأخبار لا تقول الحقائق وإن كانت تنقل الوقائع. وهو التباس لا يمكن التعرف عليه في ظل الانحياز القطيعي لفكرة ما من الأفكار.

لقد دربت الشعوب العربية بطريقة لا تنطوي فيها السياسة على أي نوع من أنواع الجدل. وهو ما مكن الأنظمة الشمولية من فرض مواقفها المتشددة التي قادت إلى الكوارث التي دفعت الشعوب نفسها ثمنها.

السياسيون بالفطرة كانوا في حقيقتهم مجرد سلال، رمى فيها السياسيون نفايات أخطائهم. ما لم تفطن له العامة في العالم العربي أن سياسييها أنفسهم لم يكونوا على قدر من الفهم الذي يؤهلهم لدخول عالم السياسة.

اليوم إذا اتيحت لنا الفرصة لمراجعة خطابات جمال عبدالناصر وصدام حسين وحافظ الأسد والسادات ومعمر القذافي وعلي عبدالله صالح ستفجعنا سذاجة حديثهم في السياسة.

كانوا شعبويين، بطريقة تكشف عن أن اهتمامهم بالسياسة لم يكن يختلف عن اهتمام رجل الشارع العادي بها. من المفجع أن لا يكون زعماء العرب التاريخيين سياسيين، بالمعنى الاحترافي.

وبرغم كل ما أحدثه الجهل السياسي من نكبات عبر عقود من الحكم الوطني فإن هوس العامة بالسياسة لم يخف ولم يهدأ. لا يزال الحديث في السياسة هو ما يهب الجلسات حيوية استثنائية. لا يهم في شيء إذا كان ذلك الحديث يعبر عن فهم عميق لعالم السياسة الذي هو عالم الغاز واسرار أم كان مجرد اجترار لما يُشاع من أخبار، وهي في معظمها لا تقول الحقيقة.

بسبب ذلك الهوس أضاع العرب أوقاتهم في ما لا ينفع. فسياسيو العالم العربي سواء كانوا منتخبين أم معينين لا ينظرون بطريقة جادة إلى ما يقوله الناس. هناك فجوة تاريخية بين الطرفين، سببها اشتباك مفهوم الحكم بروح الاستبداد. كل سياسي حتى وإن كان معارضا هو مستبد صغير.