اللهم لا شماتة

الأبيض قد يصبح أسود في منطق الدول الكبرى، والصغرى أحيانا، ثم يعود أبيض مرة أخرى، عندما تحكم المصلحة والظروف. حتى صار أجهلُ الناس بالسياسة يعرف أن تجار الحروب، وقتلة الشعوب، غربيَّهم وشرقيهم، كبيرَهم وصغيرهم، يضحكون على أنفسهم وعلى الله والعالم حين يتحدثون عن الأخلاق والقيم والمباديء، وعن الحرية والكرامة والسيادة، وعن حقوق الإنسان.

وأكثر ما تظهر هذه الانتهازية عندما يتصدون للحديث عن الإرهاب، نيابة عن الشعوب المكتوية بناره اللاذعة، فيُصنفون العقائد والأفكار والجماعات، ويُعرفون الإرهاب، ويصنفون الإرهابيين.

والأكثر ركاكة وبذاءة أن يطلبوا من إرهابيٍ همجي متخلف أن يحارب إرهابيا آخر أكثر همجية وأشد تخلفا، ولا يستحون.

لقد اختزلوا الشعب السوري الذي لم يطلب أكثر من الحرية والعدالة والكرامة بداعش والنصرة وفتافيت الإسلام السياسي الأخرى المُتاجرة بالدين. ثم روجوا لخيارين، إما بشار الأسد (العلماني) أو الإسلام المسلح بالغاز السام والمفخخات.

صحيفة "فزغلياد" نشرت مقالا للكاتب الصحافي الروسي الشهير سيرغي خودييف، يؤكد فيه علمانية الدولة السورية بقيادة الأسد الأب والأسد الوريث، ويقول إن الشعار الذي يردده بعضٌ قائلا إن 'على الأسد أن يرحل' يعني فعليا أن داعش يجب أن تأتي، وأن المسيحيين والأقليات الأخرى يجب أن تذبح أو تهجرمن سوريا، وأن الأرض السورية يجب أن تدب فيها الفوضى التي تغذي التعصب الطائفي الأعمى".

كما نقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية عن هاجم بيوت العراقيين نوري المالكي قوله: "إذا قمنا بتحرير المناطق المحتلة، والإخوة السوريون بحاجة إلى المساعدة، فإننا مستعدون لتقديم المساعدة لهم. لماذا لا نقدم المساعدة في مواجهة داعش؟"

وهذه هي خلاصة التحريف والتسخيف لحقائق المأزق السوري الذي غرق فيه الجميع. فهذا الكاتب الصحفي الروسي الأعمى، بَصرا وبصيرة، وذاك الطائفي المتطرف المتخلف مخترعُ الاختلاس في العراق، يُلخصان، بهذا التزوير الفاقع، ما يقوله بوتين، والراحل أوباما، ووريثه الجديد ترامب، وقاسم سليماني.

حتى وهم يعرفون حق المعرفة أن نظام الأسد، على مدى خمس سنوات، يُلقي صواريخه وبراميله المتفجرة، كل يوم، وكل ليلة، على مدن وقرى سورية يعارض أهلهُا دكاكينَ الإسلاميين التكفيريين "السنة"، ويقاتلون داعش، ويناصبون النصرة أشد أنواع العداء، بنفس القدر الذي يرفضون فيه ديكتاتورية الأسد وخيانته وعمالته، ويقاتلون حُماتَه الإسلاميين التكفيريين "الشيعة" أتباع الولي الفقيه.

ولا ينكر، إلا جاهل، أو خبيث، أو ميت ضمير، أن داعش والنصرة وغيرَهما لم تكن موجودة عندما تظاهرَت الجماهيرُ السورية، في شباط/فبراير عام 2011، على مدى شهور، في أغلب مدن سوريا وقراها، بالأغاني والموسيقى والدبكات الشعبية السلميةٍ الخالية من أي عنف، مُطالبة، فقط، بتعديل النظام، قبل أن يعمد بعض شبابُها إلى حمل بنادق "صيد العصافير" لحماية إخوتهم وأخواتهم وأبنائهم الصغار المتظاهرين العزل من رصاص شبيحة النظام، وحُماته الشُقاة الوافدين من إيران ولبنان والعراق. والمجتمع الدولي المنافق يرى بعين واحدة، ويسمع بأذن من طين وأخرى من عجين.

وبعد خمس سنوات من القتل والحرق والهدم دقت ساعة الحقيقة التي لا مهرب من استحقاقها. فالشعب السوري ما زال باقيا، وصامدا، لم يملَّ ولم يكل، وأن الإرهاب واحد، سواءٌ كان سنيا أو شيعيا، وأن إيران وحزب الله والعصائب وبدر وكتائب أبي فضل العباس لا تختلف، في تفكيرها وتكفيرها وتطرفها ودمويتها، عن داعش والنصرة، وأن الأيدي الدولية الخبيثة هي التي كانت تريد أن تُعمم الشعب السوري، كلَّه، بعمامة الخليفة البغدادي، وأن تلبسه، جميعَه، ثيابَ الوهابية والتكفير، ثم فشلت، وحان وقت حسابها وعقابها.

فحتى بوتين صار يرى أخيرا، ومعه مجلس الأمن الدولي، أن داعش والنصرة ومن لفَّ لفَّهما، شأفةٌ من فحم أسود عالقةٌ بالثوب السوري الأبيض النظيف.

فهذه هي الحقيقة الواحدة التي لم يستطع أحدٌ دفنها تحت الأنقاض، ليس في سوريا، بعد كل الدمار والحرائق والخراب، سوى خصميْن وحيدين، روسيا الباحثة، اضطرارا، عن خروج آمن، والشعبُ السوري العنيد الشجاع.

فلا بشار، ولا حسن نصرالله، ولا أوباما، ولا ترامب. أما إيران فخارجةٌ بسواد الوجه، وقذارة اليد واللسان، ولكن على مراحل، حاملةً نعوش "مجاهديها"، سواءٌ التي اعترفت بهول أعدادها أو التي لم تعترف. أللهمَّ لا شماتة.