العالم العربي المحروم من السياسيين

ما أكثر السياسيين في العالم العربي. ما أقل السياسة. ولكن لا أحد في إمكانه أن يراجع تلك المعادلة المضطربة. فالسياسيون العرب يقيمون في مكان علي لا تصل إليه الألسن، وقبلها طبعا الأيادي.

كل الكوارث التي ضربت العالم العربي منذ أكثر من خمسين سنة من صنعهم. غير أن أحدا منهم لم يُضرب بالطماطم أو البيض، لا لشيء إلا لأن الإنسان العربي لا يقدم على خطوة من ذلك النوع لأنها ستقوده إلى السجن.

من بين كل سياسيي العالم يتمتع السياسي العربي بحصانة ضد النقد.

مقابل تلك الحصانة، هل يمكننا التساؤل عن الوظيفة التي يؤديها السياسي العربي؟ لا أعتقد أن من اليسر العثور على إجابة على ذلك السؤال الذي يظل عالقا مثل غصة في حنجرة كل عربي.

ربما لأننا نجهل ما هي السياسة فنحن نجهل أيضا ما الذي يفعله السياسيون في الكواليس وفي الحياة المباشرة على حد سواء، بالرغم من أن الناس العاديين في العالم العربي هم الأكثر تفاخرا في استعراض آرائهم وأفكارهم المرتبطة كما يظنون بعالم السياسة.

كل تلك الروح الاستعراضية رافقها شعور لا يوصف بالإحباط.

وإذا ما كان العرب حتى هذه اللحظة لم يعترفوا بفشلهم السياسي فلأن أحدا منهم لا يجرؤ على إقامة علاقة بين ذلك الفشل الذي يحيط بهم من كل جانب وعجز سياسييهم في أن يكون سياسيين حقيقيين. فما دام السياسي، بموجب القانون لا يُمس فإن كل كلام عن الفشل سيدور بعيدا عنه.

في مواجهة كل الكوارث التي ضربت العالم العربي وكل الهزائم التي مني بها وكل الأزمات التي سممت حياة مواطنيه يشعر المرء أن هناك تواطؤا يهدف إلى اعفاء السياسيين من مسؤولياتهم عما جرى. كما لو أن كل ما يحيق بالعالم العربي من مصائب هو قدر لا راد له.

ذلك التواطؤ يسر على النظام السياسي العربي الوقوع في شبكة أوهامه التي تضع المسؤولية كلها في سلة المؤامرة العالمية التي تستهدف بمخطط شرها العرب، دون سواهم من سكان الأرض.

لهذا يمكنني القول إن السياسي العربي كائن محظوظ. فهو وإن أضر بالمجتمع يبقى الابن المدلل الذي يخشى الكثيرون أن يغضبوه. إنه كائن خفيف، بالرغم من أن عبء جهله بوظيفته أو كسله في أدائها يرهق المجتمع ويسبب له آلاماً، فشلت كل المحاولات في علاجها والتخلص منها.

أليس مؤلما أن يغيب السياسي العربي عن قرار ادانة الاستيطان في فلسطين الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي مؤخرا؟ أربعة دول تقدمت بالقرار هي نيوزلندا والسنغال وماليزيا وفنزويلا. ليس من بينها دولة عربية.

لم يبدِ العرب أدنى اكتراث بذلك السؤال المؤلم.

يقتصر واجب السياسي العربي في المحافل الدولية على الدفاع عن النظام السياسي الذي وهبه نعمة أن يكون في منصب، لم يكن بحلم به. أما القضايا السياسية فإنه يتركها للآخرين، ممن يهتمون بالسياسة.

ولكن السؤال الأكثر احراجا هو "هل بات عالم السياسة مغلقا أمام العرب؟"

لا مشاورات في شأن الوضع المأساوي الذي يعيشه العراق إلا بتوافق أميركي ــ إيراني ولا حل للحرب في سوريا إلا من خلال اتفاق روسي ــ تركي وما من بارقة أمل في جلوس الأطراف المتصارعة في اليمن وليبيا إلا بحضور مبعوثي الأمم المتحدة.

ما الذي فعله السياسيون العرب بالإرادة الوطنية بعد أن ركنوا مبدأ السيادة الوطنية جانبا؟

أعتقد أن كل ما يعيشه النظام السياسي العربي من فضائح على مستوى انحطاط وتخلف وهزال ورثاثة وضعف وعجز انما تعود أسبابه إلى انقطاع صلة أفراد ذلك النظام بعالم السياسة.