أهلا ترامب

لا يملك العرب سوى الترحيب بترامب، رئيسا للولايات المتحدة، الدولة التي يُفترض أنها حليفهم الاستراتيجي. كما هو حالها مع إسرائيل. وشتان بين الحالتين.

لقد تفهم العرب أخيراً أسرار تلك المعادلة المضطربة وغير العادلة وصاروا يتجنبون مطباتها.

الولايات المتحدة صديقتهم، بالرغم من أنها لا تكن لهم الود دائما.

هل يثق العرب بالولايات المتحدة؟ من باب أولى علينا أن نتساءل "هل تثق الولايات المتحدة بالعرب؟"

في عالم السياسة لا يثق أحد بأحد. هذا معروف. غير أن مستويات انهيار الثقة بين العرب والولايات المتحدة غير مسبوقة إذا ما تعلق الأمر بالأصدقاء.

يتمنى العرب لو أن الولايات المتحدة التزمت ذات مرة جانب الحياد في النظر إلى مجريات الصراع العربي ــ الإسرائيلي. أما أن تقف إلى جانبهم، فذلك هو المستحيل بعينه. لقد صدمت إدارة الرئيس أوباما العالم بأسره حين لم تلجأ في مجلس الأمن إلى استعمال حق الفيتو لتعطيل قرار وقف الاستيطان.

كانت مفاجأة غير سارة للولايات المتحدة نفسها. وهو ما دفع الرئيس المنتخب إلى إظهار استيائه ليعد بإصلاح الأمور في ما بعد.

وإذا ما كان العرب قد شعروا باليأس من إمكانية أن تنصفهم الولايات المتحدة في قضية فلسطين فإن أملا ضعيفا لا يزال يراودهم في أن يعيد ترامب النظر في علاقة دولته بإيران. وهي علاقة غامضة، تلحق بطريقة أو بأخرى الضرر بهم، من جهة ما تسببه من اضعاف لموقفهم في مواجهة الأطماع الإيرانية التي تستهدف الاستقرار في دولهم.

ما يعول عليه العرب أن يكون ترامب أكثر اهتماما بالشرق الأوسط من سلفه أوباما الذي أدار لهم ظهره، كما يعتقدون. ولكن التعويل على موقف الرئيس الشخصي المنفعل من شأنه أن يفضح النوايا الطيبة التي لا تمت إلى عالم السياسة بصلة.

الثوابت الأميركية في السياسة ليس من بينها ما يشير إلى ضرورة استرضاء العرب. جديده قد لا يصب في مصلحتهم. لا لأنه سيتعامل معهم باعتباره رجل أعمال وهو ما يتوقعونه بل لأنه سيهملهم بطريقة مبتذلة ستربك أحوالهم وتجعلهم في حسرة من أمرهم، مما يمكن أن يدفعهم إلى تقديم تنازلات غير مطلوبة.

لن يكون ترامب واضحا كما يظن الكثيرون.

فالرجل الذي أعلن اثناء سباقات الرئاسة أن العراق ليس دولة سيكون عليه أن ينقب في خبايا تلك اللادولة عما يمكن أن يشكل ذريعة للوجود الأميركي في العراق متناغما مع التمدد الإيراني في ظل تراجع حظوظ الدولتين في سوريا التي صارت من حصة روسيا.

أما أن يكون ترامب قد رتب أوضاعه على أساس التنسيق مع بوتين على حساب أوروبا، فتلك واحدة من أكثر الأكاذيب مدعاة للسخرية. فالولايات المتحدة لن تكون أخرى في عهد ترامب. لذلك فإن العداء الأميركي المتأصل لروسيا لن يخف بسبب قرصنة مزعومة قام بها الروس ولم تكن أجهزة الاستخبارات الأميركية مستعدة لها.

ما يعنينا هنا أن ترامب لن يكون صديقا للعرب. ولكن هل يمكن أن يكون رئيس للولايات المتحدة صديقا للعرب؟ من سوء حظ الصفة أنها نقيضة تماما للوظيفة. ترامب هنا، بغض النظر عن حسابات رجل الأعمال سيكون حريصا على الانضباط في حدود وظيفته، رئيسا للولايات المتحدة.

العرب لم يخسروا ولم يربحوا بصعود ترامب رئيسا. وهو ما يمكن أن يقع لهم مع أي رئيس أميركي، قبل أن يعيدوا النظر في فلسفتهم السياسية التي لا تقيم وزنا لإرادتهم المستقلة في مواجهة الآخر، وبالأخص الولايات المتحدة باعتبارها الطرف الأقوى في السياسة العالمية حتى الآن.

على العرب أن يقلبوا المعادلة. عليهم أن لا ينتظروا رئيسا أميركيا ينصفهم في قضاياهم ما لم ينتبهوا إلى أنفسهم.