أيها الصحافيون: المشكلة فينا وليست في القراء

ما تعريف الخبر؟ قد يبدو السؤال فلكلوريا أكثر مما ينبغي، لكن التعريف التقليدي بدا بحاجة إلى إعادة تعريف حقا. أهمية الأخبار لم تعد كما كانت تبهر القراء، إنهم يعرفون كل شيء، فماذا يصنع الصحافي؟ في واقع الأمر تلك محنة الصحافة اليوم. البريطانيون يتداولون مقولة تاريخية تحثهم على الاطمئنان بالقول “لا أخبار هو خبر سار”، وهم في ذلك يرون أن البال سيكون هادئا ويتبدد القلق عندما تنعدم الأخبار، ويقصدون في ذلك بشكل تلقائي أخبار الكوارث والزلازل والفيضانات والطقس السيئ…، لكن الدرس الأول الذي يتعلمه دارسو الصحافة والإعلام في الجامعات البريطانية يقول “أخبار سيئة تعني أخبارا جيدة”!

الصحافة ستكون مستعدة لمتابعة مثل هذه الأخبار السيئة التي يتجنبها الناس في مثالهم عن الزلازل والفيضانات. كانت الصحافة تصنع قصتها وتداعياتها من الأخبار السيئة، وتوصل المعلومات والوقائع للجمهور، وهي مهمة لم تعد قائمة اليوم. السؤال الأهم يتعلق بشأن تعريف الأخبار السيئة بوصفها أخبارا جيدة، لم يعد يمتلك مواصفاته السابقة، بل لم تعد الأخبار كمادة صحافية تغري الجمهور مثلما كان يترقبها قبل تدفق المعلومات الهائل في العصر الرقمي.

أخبار الحوادث والكوارث صارت بيد الجمهور وعلى هواتفه الذكية، وصار تصوير ما يحدث وإن كان هامشيا وبلا قيمة، أمرا مسليا لنقله إلى الملايين من المستخدمين، بل هو مرضا نشترك فيه جميعا بتأثير الهواتف الذكية. الهاتف بيد المار في الطريق أداة مضافة لصنع الخبر وبثه في لحظة حدوثه، من دون أن ينتظر جزاء أو شكورا على هذا السبق! فما أهمية أن تنشره الصحيفة بعدها وفي اليوم التالي؟ صارت الصحف اليوم تستعين بما يبثه “المواطن الصحافي” على هاتفه باعتباره شاهد عيان، ولم يعد يتطلب الأمر إرسال صحافي إلى مكان الحدث، فثمة من التقط الخبر قبل المراسل الصحافي.

الفكرة اليوم ليست بالتنافس بين الصحافي والمواطن الصحافي، بل بتعريف جديد للخبر ومدى أهميته بالنسبة إلى الجمهور عبر إعادة تأهيله ليمتلك أهمية مطالعته في الصحيفة. فما قيمة أن تقدم الصحف قصصا يعرفها الجمهور؟، هل من الأهمية بمكان أن تعيد تداعيات حدث جلل شاع على الهواتف الذكية في طبعة اليوم التالي؟ ألا يعني ذلك أن الخبر لم يعد خبرا بمفهومه المعروف فيما تقدمه الصحف، بل تداعيات مستهلكة ومعروفة لدى القراء!

هل مات التعريف المثير والذي تتفق عليه كل المدارس الإعلامية “الأخبار السيئة، أخبار جيدة؟”. فلم يعد بمقدور الصحف مواجهة القراء بأخبار جيدة في اليوم التالي، لأن المواطن الصحافي صار أول من يظفر بتلك الأخبار السيئة، ولأن الصحف ببساطة مازالت تعمل وفق آلية قديمة وتلتزم بمواعيد مع المطبعة لتنتج جريدة توزع في اليوم التالي. كي تخرج الصحف من أزمتها مع القراء عليها أن تعيد صناعة ما تقدمه، وتلك مهمة إنتاج المحتوى المتميز.

ولكي تستعيد الثقة بـ”القراء الأوفياء” يجب أن توصل إليهم ما ليس بمقدور المواطن الصحافي والهواتف الذكية والمواقع على الإنترنت أن تصنعه. الأخبار صناعة تتطلب التغيير بدلا من دق المسمار الأخير في نعشها، والصحافة في مهمة إعادة ابتكار نفسها في العصر الرقمي، لكن المعضلة في الكلام الكثير عن المحتوى المتميز من دون الاتفاق على نوعية هذا المحتوى والمستوى الذي بمقدوره أن يعيد ثقة القراء، بعد أن تغير سلوكهم ولم يعد بالإمكان إعادتهم إلى الوراء.

لا تبدأ المعضلة في تعريف جديد للخبر فحسب، بل هل ستكون مهمة الصحف تقديم الأخبار والقصص كما كانت تفعل منذ صدور أول صحيفة؟ أي دور يمكن أن تقوم به الصحف في العصر الرقمي؟ هل السلوك التقليدي للقراء مازال قائما في اقتناء الصحيفة والجلوس الرائق في المقهى لمطالعتها بمزاج ومتعة؟ إذا كانت مهمة الصحافي التقليدي تقوم على ملاحقة الأخبار وإعادة طبخها في قصص مكتوبة تنشر في اليوم التالي، قد لفظت أنفاسها الأخيرة في العصر الرقمي، فإن مفهوم القارئ التقليدي للصحف على وشك الانقراض أيضا، وهنا تكمن معضلة صناعة مادة صحافية تعيد تأهيل محتواها من أجل ابتكار قراء للصحف بمواصفات جديدة في العصر الرقمي.

من السهولة بمكان معرفة توق هذا النوع من القراء عبر دراسة مزاجه وما يفترض أن يقدم له، لكن الخلاف يكمن في كيفية صناعة مادة صحافية تجعله يعيد الثقة بصحيفته المفضلة. ببساطة، المشكلة- أيها الصحافيون- فينا وليست في القراء أو نوعية الأخبار، علينا الاعتراف بأن الاكتساح الرقمي جعلنا ندور حول أنفسنا قبل أن ندور حول تداعيات الخبر الجاهز المرسل من وكالات الأنباء، ولا نخرج بأكثر من قصة مكررة ومعروفة مهما أضفنا إليها من تداعيات وتعليقات وتحليل. إن لم يتخلص الصحافيون من الفكرة التقليدية لصناعة الخبر التي سقطت ميتة في العصر الرقمي، فسيصابون بما أصاب العاملين في صيانة عربات الخيول بعد اختراع السيارات، وفق تعبير الزميل يوسف بزي في تصريح سابق لصحيفة”العرب”.