ممنوع معارضة المعارضة

في سالف أيامها كانت المعارضة العراقية تقسم العراقيين إلى فئتين. فئة تقيم في الخارج وأخرى تقيم في الداخل. وكان ميزان الحق يميل دائما الى كفة الفئة الأولى. فتلك الفئة من وجهة نظر المعارضة هي التي تعاني وتتألم وتتعذب وتكابد العيش وتجوع وتُحرم وتُضطهد وتتعرض لعذابات المنفى وقسوة الغربة ولذلك فإنها الجهة التي يحق لها أن تتكلم.

في المقابل كان عراقيو الداخل من وجهة نظر المعارضة هم مجرد بعثيين أو موالين للبعث أو مستفيدين من النظام لذلك فقد كانوا منعمين ومترفين يغرفون من ثروات العراق من غير حساب، لذلك لم يكن يحق لهم الكلام، فهم عبارة عن خدم وضعوا أنفسهم في خدمة السلطة الغاشمة.

تلك فرية صدقها الكثيرون، لا بسبب التضليل الذي مارسته المعارضة بل لأن جزءاً عظيماً منهم يخشون الاتهام بموالاة النظام العراقي السابق إن هم قالوا الحقيقة التي زيفها معارضوه.

لم يكن هناك مَن يجرؤ على توجيه اللوم إلى المعارضين. فالمعارضة على حق دائما، ذلك لأنها معصومة من الخطأ حتى لو جردت شعباً كاملاً من وطنيته. لا أحد في إمكانه أن يعارض المعارضة وإلا اعتبر جزءاً من النظام الذي هو مصدر كل الآثام والموبقات.

وبالرغم من أن تلك المعارضة قد ارتكبت الخيانة العظمى حين أيدت الغزو الأميركي ودخلت العراق محتمية بجيش الاحتلال فإنها ظلت متمسكة بحقها الذي يضعها فوق كل اعتبار أخلاقي.

وهو ما شكل كما أرى قاعدة، تنظر من خلالها المعارضات العربية إلى نفسها. فالشر كله من نصيب النظام أما هي فإن أفعالها منزهة من الخطأ، حتى وإن زخرفت خياناتها بالحديث عن دم وأمهات الشهداء.

المعارضة على حق دائم في كل ما تقول وتفعل.

وهو ما دأب المعارضون السوريون الرسميون على الترويج له وتسويقه في وجوه معارضيهم الذين هم في الوقت نفسه معارضون للنظام.

لقد تم الاتجار بالثورة السورية بغية ابتزاز الآخرين بطريقة يُراد بها حماية المعارضين من أي نقد. فأي نقد يوجه إلى المعارضة هو بمثابة خيانة للثورة وتسفيه لحلم الشعب في الحرية والكرامة واستهانة بدم الشهداء.

المعارضون لا يُعارضون. ذلك ما يمكن أن يستشفه المرء من ردود فعل المعارضة السورية على الانتقادات التي توجه إليها، بسبب فسادها وخضوعها لإملاءات الجهات الممولة لها وقبولها بالغزو البشري الذي شكل قاعدة للارهاب الذي انتقل بسوريا إلى عصر الظلمات وارتباط أعضاء رئيسيون فيها بمخابرات دول إقليمية وعالمية وقيام البعض منهم بزيارة إسرائيل.

كل تلك الأفعال انما تجري لأسباب وطنية، وحدهم المعارضون يعرفون الطريق السرية التي تؤدي بتلك الأسباب إلى حاضنة الثورة السورية.

ولأن المعارضين يعرفون أنهم محصنون من النقد ويحظون بحماية دولية فإنهم لن يلتفتوا إلى الشعب الذي صار حطبا لمشاريعهم التي هي في حقيقتها مشاريع مموليهم ورعاتهم الإقليميين والدوليين.

المعارضون يفعلون ما يرونه منسجما مع مصالحهم، أفراداً وجماعات. وهم على ثقة من أن أحداً لن يخرق طوق الممنوعات الذي يحيطهم وفي مقدمتها الممنوع الذي ينص على عدم معارضتهم. فمعارضة المعارضة محظورة لأسباب وطنية، كونها تمثل خيانة لنضالات الشعب.

ما لا يُفهم في المسألة السورية كيف احتكرت المعارضة السورية الرسمية التي تم تأليفها في إسطنبول حق تمثيل الشعب السوري ولم تترك لجهة سواها جزءاً من ذلك الحق.

أليست هناك ملايين من السوريين لا ترى في تلك المعارضة الرسمية إلا جوقة من التابعين للمشاريع الاستعمارية؟ بالنسبة للمعارضة فإن أحدا لا يملك الحق في قول ذلك.ف هل سيلحق المعارضون السوريون تلك الملايين بالنظام كما فعل من قبلهم معارضو العراق الذين صنعوا أضخم ماكنة للفساد في تاريخ البشرية حين استلموا الحكم؟