كيري والموصل... كذبة الوداع!

ضمن ما كتبه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، ان وزير دعاية المانيا النازية المهزومة، غوبلز، قال: اكذب واكذب حتى يصدقك الناس! وللحقيقة ان هذه المقولة المنسوبة لغوبلز، لم يتم التأكد من صحتها، بل من السذاجة التصديق بها، بالرغم من ان النازية ارتكبت من الجرائم الاخرى غير جريمة الكذب هذه ما يجعلها مدانة على مدى التاريخ. وضمن ما ذكره لنا تاريخ تلك السنين العاصفة، ان تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني اثناء تلك الحرب، ضحك بتهكّم، وهو يقرأ على شاهدة قبر احد السياسيين في بلده "الرجل الصادق والسياسي الكبير" وقال، كيف اجتمع الصدق مع السياسة؟ وقد كان الرجل في تهكّمه هذا صادقا مع نفسه، لانه كذّب كثيرا، لكن من اجل شعبه ولم يكذب عليه، كما هو شان ساستنا العرب والشرقيين بشكل عام. وفي المعطى النهائي، ان السياسة في ظل انهيار القيم الانسانية والتغالب الذي كرّسته الراسمالية، من اجل استغلال الضعفاء ونهب ثرواتهم، صارت تبتكر اشكالا متعددة من الكذب، وتفننت فيه، للحد الذي صارت للكذب مدارس، وانتهى بها الامر اليوم بان سخّرت لأجله ميديا مرعبة صادرت الوعي الجمعي للبشرية والقت بستار سميك من الدوغما عليه.

اميركا التي احتلت العراق بكذبة كبيرة، اضطر العالم للتعامل معها بعد ان جعلته امام الامر الواقع، انتصرت للمقولة المنسوبة لغوبلز، وكان عليها ان تستمر بالكذب، حتى بات علينا ان نصدقها، او هكذا يراد لنا للاسف. ولان الكذب الاميركي ككذب تشرشل الذي سخره لخدمة مصالح بلده، فان سلسلة الاكاذيب التي سمعناها من المسؤولين الاميركان، بعد الاحتلال، صرنا ندفع فواتيرها على الارض دما ومالا ووقتا ثمينا، ضاع من اعمارنا ومستقبلنا الذي تريد له اميركا ان يكون وفقا لتصوراتها هي وليست تصوراتنا او احلامنا التي غدت كوابيس.

لا اريد بهذه السطور الدفاع عن أي مسؤول او سياسي عراقي، لان اغلب القائمين على العملية السياسية بعد العام 2003 انشغلوا بصراعاتهم البينية على السلطة والمغانم، واسسوا لواقع مرير تناغم بعلم منهم او من دون علم، مع مشروع الاحتلال الذي جاء بالاساس لتقسيم العراق وتمزيقه، ولعلهم نجحوا بذلك ودفعوا بالبلاد الى المصير الذي نعيشه اليوم. الاّ ان كذبة وزير الخارجية الاميركي جون كيري، التي ختم بها عهده، اثارت الشجون التي تختنق بها صدورنا، اذ قال ان المالكي هو من ادخل داعش الى الموصل! ولعله في كذبته هذه اراد القول ان اميركا اوباما، التي قادت تحالفا، اسمته التحالف الدولي لمحاربة الارهاب، هي اليوم من يدفع ثمن هذه الخطيئة التي تسبب بها المالكي! مع اننا نعرف جيدا ان هذا التحالف المريب جسّد وبشكل لا لبس فيه، انه جاء من اجل اعادة رسم خارطة المنطقة، وقد كان من مستدعيات اقامته او عقده، وجود ذريعة عنوانها داعش او غيره، لتكون محور اللعبة القذرة التي اغرقت المنطقة بالدم، لاسيما سوريا والعراق، ومن رحم هذا المخيال المريض جاء ت صناعة هذا الورم السرطاني الذي لم تستطع اميركا وحلفها الكبير، ومنذ اكثر من عامين كاملين، من دحره، بالرغم من امكانياتها الهائلة التي مكنتها سابقا من تدمير العراق بأكمله في العام 1991 بزمن قياسي.

هذه المعطيات تجعلنا لا نحتاج الى ترامب اميركي او غير اميركي ليقول لنا، بان داعش الاجرامي صنيعة اميركية، لان الهدف منه بات معروفا، وان استحالة تحقق هذا الهدف غدت حقيقة بعد التدخل الروسي ووقوف شعوب المنطقة ضده، غض النظر عن طبيعة انظمتها السياسية، لان التحدي الإستراتيجي هذا سيرسم مستقبلها ولربما سيزج بها في حروب بينية قادمة قد تستمر قرنا من الزمن، او هكذا رسم دهاقنة السياسة المعاصرين صورة مستقبلية لمنطقتنا في اقبية الظلام، التي بدا فيها كيري ومن قبله هيلاري كلينتون ورئيسهم اوباما عراة امام الحقيقة، بعد ان تكشّف كل شيء امام الراي العام في الاقليم وفي العالم كله.

نعم، نقولها ولا يداخلنا ادنى شك، ان اميركا اوباما وهيلاري كلينتون هي التي صنعت داعش بشكل او باخر، وقد دخل هؤلاء الارهابيون على شكل ارتال مكشوفة الى العراق واحتلوا مدنه الشمالية تحت اعين اقمارها الصناعية ومجساتها التي تحصي انفاس العالم، لان اسرائيل ارادت هذا، وان اللوبي الصهيوني هو الذي وقف وراء هذه اللعبة لاهداف تداخلت مع اهداف اميركا لتنتج هذا الخراب الذي نخوض فيه.

سيد كيري اسمح لنا بالقول، ان النظر للعبة داعش من زاوية اجرائية، تختزل بكونه جاء على خلفية الاداء السيء لهذا السياسي العراقي او ذاك، هو محاولة للضحك من عقولنا، لان داعش كان المفصل الاخطر من مفاصل استراتيجية شاملة، بدأت تتعثر الان، ولعلها وصلت الى طريق مسدود، وانك يا سيد كيري تكذب على نفسك وعلى التاريخ.. ليس لان ساستنا ومنهم رئيس الوزراء السابق المالكي، كانوا مثاليين في ادارة البلاد، بل لانكم مارستم دور الشيطان في تعاملكم معنا، وان ارتديتم ثياب الملائكة او المخلّصين، كونكم دمرتم حلمنا في الحياة وسلبتم مستقبلنا ومستقبل اجيالنا.. اذهب غير ما سوف عليك وعلى رئيسك الذي لم نر منه سوى اشعال الحرائق واشاعة الخراب.