لماذا نضرم النار في مدننا؟

انبهر روائي عربي وكاتب سياسي مرموق في أول زيارة له إلى لندن، بالتاكسي الأسود، وتأمله بحس روائي وكأنه حامل للسر، كان مجرد أن يراه سائرا في طرقات خصصت له مع الحافلات الحمراء، من دون كل المركبات الأخرى، يجعله يصنع قصة في خياله.

تساءل هذا الكاتب عن الفكرة الأنيقة في تصميم مثل هذه السيارة، حتى لونها الأسود امتلك مواصفات لونية مختلفة عن تعبير اللون المتشائم.

تلك هي روح المدينة “كائن ومكين” بوصفها متحفا كبيرا، المعمار والناس والتاريخ شهود عليها. في كل الأحوال لا يمكن مقارنة لندن بمدننا العربية، ليس لأنها أكبر وأغنى، وليس لأنها مدينة من السعة والحركة إلى درجة يدخلها يوميا 7 ملايين شخص، ويغادرها أقل من هذا العدد بقليل في مساء اليوم نفسه، بل لكونها مدينة تؤرخ لنبضها وتترك الشواهد اللونية والمعمارية داعمة لسرد التاريخ.

الحافلات الحمراء فم للتاريخ إن أراد التحدث عن المتحف الكبير المسمى لندن، فهذه الحافلات تتحرك في طرقات المدينة أشبه بكائن متسق مع المحيط، مُعبّر وصبور، كما أن المدينة وإدارتها لم تستطع التنكر لما عتق من هذه الحافلات ومرّت عليه عقود، نعم، دفعت بطرازات جديدة وحديثة وبخدمات أكثر، لكن العتيق بقي منها يمرّ كي لا يُنسى، من دون أن يشعر الركاب بأنهم في حافلة تنفث دخانا تآكل محركها.

القديم يبقى كما هو بلمسة صيانة في المتحف الكبير المسمى لندن، لأن قلب المدينة لا يتوقف عن النبض. كذلك هي المدن عندما تتآلف مع روحها يصبح الإخلاص خيار سكانها الأبدي، لا أعني أنه لا يوجد لصوص مثلا في لندن! لكن الألفة وشيجة في العقد المصفد الذي شيدت به المدينة.

عندما اختارت “إيفنينغ ستاندرد” الصحيفة اللندنية المسائية أن توزع مجانا عام 2008، بعد 180 عاما من صدورها، كانت موضع احتفاء من المدينة برمتها، لتضاف إلى المتاحف المجانية والمنتزهات والضمان الصحي، إلى درجة جعلت الفنان التشكيلي ديفيد هوكني يأمل حينها أن تكون الخطوة التالية في أن نحصل على الشاي مجانا في لندن بعد أن خلت من التدخين!

لندن بالنسبة إلى الكاتب ف. إس. نايبول الحائز على جائزة نوبل للآداب هي أشبه بتحديق في فضاء حر، فيما اختصر الشاعر أندرو موشن فضاء لندن في الأرواح والأفكار الحرة، والمتاحف والمكتبات والحدائق المجانية، وحتى الملذات! ويأخذ الفيلسوف آلان دو بوتون صحيفته المجانية إلى أقرب فندق ليشغل مقعده في الردهة المطلة على مساحات لندن الخريفية، ويرى أين تكمن الحكمة في المال أم المجان؟

استعدت شيئا من لندن، وأنا أتأمل مدننا وما الذي فعلناه بحلب وبغداد وطرابلس والموصل، مدن كان التاريخ نفسه يقف مبهورا بحوادثها، فصارت شواهد على اللعنة عندما تصيب المدن بيد أبنائها الملوثة. المدينة لا تزدري أبناءها إلا إذا دخلها الغرباء، وكم من الغرباء في مدننا اليوم لإضرام النار في مرابعها!!