مقاومة الواقع في العالم العربي

يستدعي مصطلح "مقاومة" ذكرى محتكريه في العالم العربي. تلك الأطراف المتشنجة التي وضعته بين قوسين بعد أن صنعت منه عنوانا لمغامراتها العقائدية.

لقد تم تسويق مقاومة الاحتلال الأميركي في العراق على خلفية ظهور تنظيم القاعدة وسطوع نجم أبو مصعب الزرقاوي. وفي غزة تحتل حركة حماس وهي أحد فروع جماعة الاخوان المسلمين، المشهد المقاوم في الوقت الذي يخوض فيه سيد المقاومة اللبنانية مغامرته في سوريا.

في كل الحالات السابقة تتقدم العقيدة على الوطنية. وإذا ما عرفنا أن تلك العقيدة تتعارض بشكل مطلق مع فكرة الوطنية فإن ذلك من شأنه أن يلقي بظلال من الشك على الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها تلك الحركات المقاومة بكل ما تنطوي عليه سيرتها من شبهات.

في حالة حزب الله فإن ما كان مقاومة للاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني تحول مع الوقت إلى جزء من المشروع الإيراني في المنطقة. فبعد أن تحرر الجنوب كان متوقعا أن تتحول قوة المقاومة إلى مشروع مدني لبناني غير أن ما حدث كان موجعا للبنان بالدرجة الأساس حين تحولت تلك الميليشيا التابعة لإيران إلى شبح يطارد اللبنانيين بكوابيسه.

وليس مهما هنا الاسهاب في الحديث عن حركة حماس أو تنظيم القاعدة في الاتجاه نفسه. ما يهم التذكير به أن مفهوم المقاومة قد تم تسويقه في العالم العربي عبر العقود الماضية بطريقة مشوهة وزائفة، كان القصد منها انهاء فكرة المقاومة التي هي واحدة من أهم الأفكار الإنسان التي نرافقه في سعيه لتطوير حياته والارتقاء بأسبابها.

وكما أرى فإن إعادة انتاج ذلك المفهوم من خلال العودة به إلى أسسه الطبيعية هو الشيء الضروري الوحيد الذي يحتاجه الإنسان العربي في عصرنا الراهن. من غير تلك العودة فإن شيئا ما لن يتغير في حياة العرب الكئيبة.

يقف العرب اليوم في موقع المتفرج على ما يحدث في العالم، بل على ما يحدث لهم. وتلك هي مصيبتهم الكبرى. إنهم كائنات سلبية، تكاد لشدة سلبيتها أن تذهب إلى النسيان. ما من شيء في واقعها يمكنه أن يكون حقيقيا. لقد بعدت المسافة فصار على العربي أن ينتظر من الآخرين أن يمدوا أيديهم من أجل حل مشكلاته.

ذلك الواقع المزري لا يمكن الخروج منه إلا من خلال مقاومته. ولأن مفهوم المقاومة صار رثا بعد أن استهلك العراقيون على سبيل المثال سنوات وهم يفكرون في الفروق التي تفصل بين بين مقاومة شريفة وأخرى غير شريفة فإن العرب ملزمين اليوم بالانحياز إلى إنسانيتهم التي صارت موقع سؤال.

هناك مجتمعات عربية كاملة مهددة بالزوال على مستوى بنيتها الاجتماعية. في المقابل هناك دول فاشلة أو أقل من أن تكون فاشلة وهي دول منح الرئيس الأميركي مواطنيها أخيرا ميزة أن يُمنعوا من دخول أراضي الولايات المتحدة، كما لو أنهم يشكلون فعلا خطرا على الحضارة الغربية.

من غير مقاومة الواقع الذي يعيشه العالم العربي فإن الكذبة ستأكل أهلها ولن تنجو الدول الثرية من مصير، سيكون مختلفا غير أنه سيلتقي في النهاية مع ذلك المصير الذي انتهت إليه الدول التي سلمتها الصراعات إلى الفقر ولم تكن في حقيقتها كذلك.

المقاومة الوطنية للواقع لا تنطوي في حقيقتها على سجال سياسي.

لقد اخترع الغرب مفهوم الوطن بصيغته القانونية المعاصرة وهو نفسه مَن سعى في عصر ما بعد الحداثة إلى حرمان العرب من نعمة الأوطان. لذلك فإن مقاومة ذلك الواقع لن تكون سوى الرد الطبيعي الذي يسعى من خلاله الإنسان العربي إلى الحفاظ على هويته ابناً لعصره.

ما يجب أن يعرفه العربي أنه محاط بالأكاذيب من كل جانب.

لن يكون صادما إذا ما قلنا إن العرب في مجمل حياتهم انما يخترعون كذبة من أجل الاستمرار في العيش. مقاومة تلك الكذبة هي السبيل الوحيد الذي يعيدهم إلى الحياة الحقة.