شعوب تخترع طغاتها

بعد ما جرى في تونس عام 2010 قيل إن حاجز الخوف في غير مكان من العالم العربي قد سقط. هل تؤكد الوقائع صحة ذلك الحكم المتفائل أم أن الاستسلام إلى الفوضى كان نوعا من التعويض عن غياب الاستبداد، القوة الضابطة الوحيدة لعلاقة الشعوب بالسلطة؟

لم يعرف العرب من الحكم الوطني بعد أفول عصر الاستعمار سوى الخوف. سننصف التاريخ ونعترف أن هناك لحظات إشراق. ولكن هل كانت تلك اللحظات حقيقية؟

لقد فرض الحكام المحليون فكرتهم عن زمن، يكون ملحقا بهم. هو زمنهم الذي سيكون على الشعوب التي يحكمونها أن تتخذه زمنا لها.

ولأنه زمن افتراضي فقد اختفت به اللغة بكل ما تنطوي عليه من صفات تجريدية. فهو زمن لبطولة والعزة والكرامة والكبرياء والاباء والشمم. وهو الزمن الذي يستعيد العرب فيه أمجادهم، أموية وعباسية وأندلسية.

واقعيا فإن ذلك الزمن عاشه الجميع، لكن بطريقة حلمية متخيلة.

كانت هناك تجارب ثورية تفاءل بها العالم كما حدث مع مجموعة عدم الانحياز، غير أن شيئا صلبا لم يقع ليمنع انهيار تلك التجارب في أية لحظة. كان الحكام المحليون ينتمون إلى الأغلبية الخائفة، لذلك فإنهم لم يكونوا يثقون بأحد. أحد ممن حولهم لم يثق بهم. حين نعود إلى مسلسل الانقلابات التي وقعت في سوريا قبل أن يحسم الأسد الأب الأمور لصالحه يمكننا أن نفهم شيئا مهما عن أسباب الانهيارات المتتالية في أنظمة الحكم الوطنية.

كان خوف الحاكم من لا شرعيته يشجع الآخرين على اقتحام قصره وعزله وانتظار نهاية شبيهة بنهايته.

أما إذا جرى الاستفهام عن موقف الشعب وهو الذي كان يُقاد صاغرا في مسيرات طويلة استنكارا وغبطة، ترحيبا ولعنة فلا شيء يمكن أن يشي بدرجة ضئيلة من درجات الإيجابية في ذلك الموقف. لقد درب الشعب نفسه على أن يكون محتاطا وحذرا في تعامله مع مَن يحكمونه. وكان بارعا في التعرف على طباع أولئك الحكام والتقرب منهم من خلال إضفاء آيات العظمة عليهم وهي واحدة من طرق النفاق التي كان من شأن تكريسها أن يكون سببا لوأد الدولة الوطنية وسطوع شمس عبادة الفرد.

لقد تحول الخوف إلى نوع مرضي من الحب.

صار الشعب عاشقا لزعيمه. وهو ما كان اعلانا ساذجا وسطحيا عن نهاية عالم السياسة في العالم العربي. فالعلاقة بين الزعيم الملهَم وشعبة كانت تندرج ضمن لائحة صنوف الحب التي ورد ذكرها في كتاب طوق الحمامة لكاتبه الاندلسي ابن حزم.

يقول العراقيون لصدام حسين "نحبك والله نحبك" فيما يرفع السوريون لافتات في فضاء عاصمة الامويين مكتوبا عليها "منحبك" أما المصريون فقد أشبعوا جمال عبدالناصر مديحا من خلال الأغاني.

هل يجب علينا أن نلوم الشعوب لأنها وقعت في غرام حكامها؟

لا أفكر في أن أبحث عن عذر لتلك الشعوب بقدر ما يمكنني القول أنها فعلت ما كانت تراه مناسبا لها. وهو ما ستفعله دائما.

سيكون الخوف دائما ذريعة لتبرير كل هذا التخاذل والجبن والنفاق والتدليس والتزييف والكذب ولكن ذلك الخوف لا يشكل المادة الوحيدة لحقيقة أن الشعب كان مسؤولا عما انتهى إليه من رخص وابتذال واذلال ومهانة.

لقد فُجع معمر القذافي بثورة الشعب الليبي عليه. أيمكن لإثنين وأربعين سنة من الحكم الفردي المجنون أن تترك شيئا من الكرامة لدى شعب شارك في مؤتمرات الشعب الذي كان القذافي يدير من خلالها ليبيا كما لو أنه يمارس ألعابا منزلية.

"شعوب خائفة" هل هي الصفة المناسبة من أجل أن نصدق أن تلك الشعوب قد كسرت حاجز الخوف؟ أعتقد أن التفاؤل يصل أحيانا إلى درجة السذاجة.

في حقيقتها فإن الشعوب العربية خائفة من أن تترك من غير طغاة. سيكون عليها يومها أن تخترع طغاتها.