قَتل المثقفين.. مَن يُحاسب المفتين؟

نُفذت عمليات اغتيالٍ لمثقفين بارزين على مرَّ القرون، وبفتاوى ومحاضر دينية، وما زلتُ أجمع مادة لكتاب «الفتوى القاتلة» بسبب ديني خلال القرون الخوالي، فرأيت العجب العجاب مِن شراهة التكفير والقتل. لكن هذا المقال أثارته وفاة عمر عبدالرَّحمن مؤخراً، مؤسس «الجماعة الإسلامية» بمصر، والمحكوم بالمؤبد في أميركا على خلفية تفجيرات نيويورك (1993)، وما جرى مِن جدلٍ حوله في الصُّحف المصرية، وبيان رثاء «الجماعات الإسلامية» وتبجيله، وكان هو وآخرون وراء إصدار فتاوى قتل مثقفين مصريين بارزين، لم يفكر المبجلون بمصائر أيتام وأرامل المقتولين، على أن ما صدر كان واجباً دينياً.

كان من أوائل اغتيالات القرن العشرين الدِّينية اغتيال الإيراني أحمد كسروي (11 مارس 1946)؛ وكان كاتباً مثيراً للجدل، جمع بين نقد الفكر الديني والفكر الإمامي، مع نزوع للمدَنية، وظل قريباً مِن الشَّاه رضا (ت 1944) في إصلاحاته، مع محاولة لبناء إيران بذوبان الهويات (القيَّم، عرب الأهواز ونقد كتاب أحمد كسروي). نفذ به نواب صفوي (أعدم 1955)، ولم يستطع قتله، ثم أجهزت عليه منظمته «فدائيان إسلام».

كان صفوي يتعلم بحوزة النجف حينها، وعاد لتنفيذ المهمة، وقيل أصدر الفتوى عبد الحسين الأميني (ت 1970)، صاحب كتاب «الغدير». أما مَن كتب بأن الخميني (ت 1989) كان هو صاحب الفتوى فهذا بعيد عن الواقع، فحينها لم يكن الخميني مجتهداً أو معروفاً كي يصدر فتوى وتنفذ مِن قِبل «فدائيان إسلام».

كان صفوي مقرباً جداً مِن الأميني، حتى أن الأخير عمل المستحيل لتهريبه مِن السجن، وتم التنسيق بينه وبين خلية إخوانية لهذه المهمة، اجتمعت لها قيادات من مختلف البلدان ببغداد، بعد الحكم عليه بالإعدام لمحاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني، في ما بعد (العجلي، الفكر الصَّحيح في الكلام الصَّريح وموقع دار الولاية للثقافة والإعلام).

على الرغم مِن اتفاق الإسلام السياسي، السني والشيعي، على ردة كسروي، فإنه بعد تغير منحى الثورة الإسلامية الإيرانية إلى المذهب، وكتابة ذلك في الدستور (المادة 12) ونصها: «الدِّين الرَّسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير»، تغير الموقف لدى بعض الإسلاميين، ومنهم «السّروريين»، فأصبح كسروي مصلحاً في كتابه «الشيعة والتَّشيع»، ويقوم أحد أبرز الصحويين السروريين بتحقيقه ونشره (1988). هنا لا نعترض على تحقيق الكتاب ولا تغيير الموقف مِن كسروي، لكن كيف تفرض السياسة نفسها على الدِّين، الأميني الإمامي المؤيد لـ«فدائيان إسلام»، وهي منظمة اغتيالات لا أكثر، يتكاتف معه ومعها وبقوة «الإخوان المسلمون»، ثم لظروف يتغير كل شيء، هذا الذي نحذر منه، إخضاع الدِّين للسياسة وبمزاجية حزبية.

كان اغتيال المثقف حسين مروة (17 فبراير 1987) ثم زميله مهدي عامل (8 مايو 1987)، لسبب فكري محض، لأنهما كانا مخالفين بموقفهما للهيمنة على شيعة لبنان مِن جهة حزبية، فأُتخذ قرار تصفيتهما مع آخرين، ومر الاغتيال بلا كشفٍ عن المفتي بقتلهما، مع أن الأصابع تشير إلى خارج الحدود، حيث مرجعية الحزب الذي نفذ فيهما الفتوى، وظل المثقف اللبناني، الشيعي خصوصاً، المنتمي لفكر آخر، يخشى ظله، حينها لم تتحدث منظمات دولية ولا حكومات عن تلك الكارثة، التي لا تخص مروة ولا عامل، إنما تخص تدشين عصر نعيشه الآن تماماً.

ثم توالت الاغتيالات للمثقفين بفتاوى دينية، فاغتيل فرج فودة (8 يونيو 1992)، إثر ندوة في معرض القاهرة للكتاب، وبدلاً من كشف وفضح المفتين بالقتل ومعاقبة القاتل، أُطلق سراحه، وأن الرئيس الإخواني تكفل، في دعايته الانتخابية مِن ميدان التحرير، بإطلاق سراح مؤسس «الجماعة الإسلامية» وعودته منتصراً إلى مصر، بينما فودة صاحب المؤلفات الفكرية، التي تخدم التجديد الإسلامي قبل غيره، يقف الشيخ الإخواني محمد الغزالي (ت 1996) مدافعاً عن المنفذين لفتوى القتل به.

بعدها تصدر فتوى لتصفية نجيب محفوظ (ت 2006)، يهاجمه شاب سلفي جهادي، لم يقرأ كتاباً له، ويطعنه بسكين الفتوى (14 أكتوبر 1995)، ويمر الحدث كأن المهاجم ينفذ واجباً دينياً، يعان ويُحمد عليه.

بطبيعة الحال، هناك فتاوى قتل واغتيال للأفراد والجماعات، مازال مفتوها يبجلون كلَّ التبجيل، على أنهم ذادوا عن حياض الدِّين بفتاويهم، ولم يسأل المبجلون لهم عن دماء المغدورين، فلا كسروي ولا مروة ولا فودة ولا عامل ولا محفوظ كانوا يجيدون حمل السكاكين وكواتم الصَّوت، وبعد تجارب الإسلام السياسي بميليشياته، وعموم كواسر الإرهاب فيه، تبين أن ما كتبوه هو الذي ينتصر لمدنية الإسلام، لا وحشية القاتلين والمفتين. لمعروف الرَّصافي (ت 1945) في ضجة طلب تكفيره، وقد استبقهم محذراً: «يا أيها المفتي بتكفيرنا/ مهلاً فقد جئت بأمرِّ نكير» (الأعمال الكاملة). أقول: ليس أنكر مِن الإفتاء بالتَّكفير ثم القتل!