عراب الاحتلال بجبة الفقيه

"بسبب عدم تكافؤ القوى فإن المرجعية الشيعية في النجف حرصت على أن لا تحث العراقيين من أتباعها على مقاومة المحتل الأميركي" يقول البعض ويضيف "عن طريق ذلك الموقف حافظت المرجعية على دماء العراقيين".

ولأن تلك المرجعية لا تحتاج إلى مَن يدافع منها بسبب حكمتها وسلامة موقفها فإن أحدا لم يكذب ما ورد في مذكرات وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد من أنه سلم شخصيا على السيستاني هدية مالية من الولايات المتحدة تثمينا لجهوده في تثبيت فكرة الاحتلال الطيب في أذهان أتباعه.

"لو لم يقع الاحتلال لاستمر صدام في الحكم إلى وقت غير معلوم" وهو ما يعني تطابقا في الرؤية بين الإدارة الأميركية والمرجعية التي صنعت من التخلص من صدام هدفا نهائيا.

لقد تعاونت المرجعية مع المحتل الأميركي، على الأقل في صمتها عن الجرائم التي ارتكبتها القوات الأميركية في حق المدنيين العزل من العراقيين.

كان ذلك الصمت بمثابة المستوى المعلن من اتفاقية ضمنية باركتها المرجعية فيما عبرت الإدارة الأميركية عن شكرها للمرجعية في غير مناسبة.

وهو ما يعني أن الحرص على دماء العراقيين لم يكن إلا كذبة، سعى البعض إلى تمريرها من أجل أن لا تفقد المرجعية هيمنتها على عقول أتباعها وهي التي تدعي التعفف عن التدخل في الشؤون السياسية.

ما مارسته المرجعية منذ أن سقطت الدولة العراقية من دور انما يقع في خدمة المحتل، من جهة دفع أتباعها إلى الامتثال لإملاءات سلطة الاحتلال والتعاون معها لإنجاح مشروعها الذي كان نظام المحاصة الطائفية والعرقية واحدا من أهم تجلياته التي دفعت بالعراق إلى أن يكون بمثابة غنيمة حرب بالنسبة للأحزاب الطائفية التي سلمها المحتل إدارة البلاد وهو ما يعني بشكل صريح تمكينها من نهب ثروات البلاد.

تعففت المرجعية عن تسمية الفاسدين في حين أنها لم تتعفف عن دعوة العراقيين للمشاركة الإيجابية في الاستفتاء على الدستور الملغوم والمكتوب بإشراف أميركي مباشر الذي حول الشعب العراقي إلى مجموعة من المكونات الطائفية والعرقية وفخخ العراق بمناطق متنازع عليها بين بين الأكراد والعرب.

كان ذلك الدستور مشروع فتنة ولم يكن قانونا أساسيا لدولة ما. لذلك تحمست له المرجعية. ذلك لأن تلك الدولة التي أزيلت كانت تمثل عائقا أمام المرجعية لإنجاز مخططها في التجهيل الذي يضمن لها الهيمنة على عقول الناس.

وإذا ما كانت المرجعية قد ضللت أتباعها بصمتها فإنها فعلت الأسوأ حين نطقت. ففي عام 2006 صدر عن السيستاني تصريحه الشهير الذي شكل قاعدة لحرب أهلية استمرت سنتين، راح ضحيتها عشرات الالاف من العراقيين الأبرياء.

يومها لم تتنصل المرجعية عن مسؤوليتها عما حدث.

كانت تلك الحرب الطائفية بمثابة خط شروع بالنسبة للمرجعية لإدامة الفصل الطائفي الذي يضمن لها الهيمنة على مريديها من أتباع المذهب الشيعي الذين ورطتهم في ارتكاب جرائم في حق الإنسانية.

وإذا ما كان السيستاني قد أحجم عن إدانة تهاون رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حين تخلى بطريقة لا أخلاقية عن الموصل لتنظيم داعش فإنه وجد في تلك الهزيمة مناسبة لإطلاق وحوشه من خلال فتواه المريبة التي أقيم على أساسها تنظيم الحشد الشعبي الذي هو عبارة عن مجموعة الميليشيات الشيعية ذات السمعة السيئة.

في لحظة استسلام للحقائق سيُقال "إن السيستاني ليس عراقيا" وهي حقيقة ستجعل العراقيين مسؤولين عن دمائهم التي سفكت من غير حق. هناك أفواه لا تزال مفتوحة على صرخة لن تستوعب معانيها الأجيال التي انغمست في الطائفية. سيكون على العراقيين أن يواجهوا في مستقبل أيامهم كذبة السيستاني، عراب الاحتلال الذي عرض دمهم في المزاد العالمي.