فتنة الحوارات العراقية والاتجاه المعاكس

مرات عديدة، اقف متسمراً، مشدوهاً ازاء مواقف اجتماعية بسيطة، يجعلها البعض مثابات للزعل والتوتر، ويتخذونها سبيلا واعذارا لحالات من الشد والجذب، وتتسع الى عداوات وشتائم ومس الاعراض وربما الى اكثر من ذلك.

وهنا اتساءل: هل يستحق العراقي، الوقوع في هذا الشرك المجتمعي، الا تكفيه معاناته اليومية، في مناحي الحياة التي باتت تشكل سمة عراقية بامتياز؟

كفانا غمزا ولمزا من بعضنا، وعلينا الادراك، بان الكره يرتجف أمام الحب، والحقد يهتز أمام التسامح، والقسوة ترتعش أمام الرقة واللّين… وفي النهاية، ليس هناك أفضل من التسامح.

ان المناكفات السياسية والسجالات اليومية من على شاشات التلفزيون والاذاعات والصحف، ترن في أذان المواطنين وتثقل عيونهم يوميا، مثل شلالات هادرة. شخوصها من هذه الجهة او تلك، وكلها تدعي الصدقية والاحقية، وتكيل التهم لبعضها.. لقد نسي من يقوم بذلك انه منزلق يؤدي الى زعزعة نفسية المواطن ويزرع الشكك بأبن جلدته، ويسبب البغضاء، في وقت نحن بحاجة الى دعوات التسامح.. ففي التسامح تسمو النفوس وتتألق المشاعر نحو بناء وطن خال من التناحر والمحسوبية والتعصب.

قد يرى البعض أن التسامح انكسار، وأن الصمت هزيمة، لكنهم لا يعرفون أن التسامح يحتاج الى قوة أكبر من الانتقام، ومسؤولية التسامح تقع على من لديهم أفق أوسع.

نعم، ان من حق المتحدثين في وسائل الاعلام ان يدلوا بآراء من يمثلونهم، وان يبسطوا وجهة نظرهم، لكن عليهم ان لا ينسوا ان جمهور المواطنين، الذين يتابعونهم، امانة في اعناقهم، ولاسيما البسطاء، حيث ان نسبة كبيرة منهم في وضع معيشي صعب، وخط الفقر في تصاعد، الى جانب تفشي الامية التي حفرت في اخاديد المجتمع ندباً خطرة. فالأصوات العالية، والتهم المتبادلة وحركات الايدي العدوانية، لها نتائج وخيمة على المجتمع.. لا شك ان الاثارة في الاعلام والندوات، مثل ملح الطعام، غير ان الاكثار منه، يجعل الامر أجاجا، ومدعاة الى التناحر.. فمتى نفهم، ان الذات السلبية هي التي تغضب، وتأخذ بالثأر وتعاقب، وتشهّر، وتنتقم، بينما الطبيعة الحقيقية هي النقاء وسماحة النفس والصفاء والتسامح مع الآخرين.

يقيناً اقول: ان الضعيف لا يمكن أن يسامح، لأن التسامح من صفات الأقوياء. فهل ينبري الاخوة في برامج الحوارات الى اعداد برامج عن التسامح السياسي من اجل عراق بلا ضغائن؟ رحمة بالناس الذين يصدقون لطيبتهم، ان اصوات المتحاورين التي تصل الى حد الشتائم هي حقيقة، فيما هي امام الكاميرات فقط.. وبعدها يكون المتحاورون على وليمة في احد النوادي والمطاعم الفخمة!