معارضة بين قوسين

من المؤكد أن المعارضة الرسمية السورية فوجئت بالموقفين الأميركي والفرنسي من مسألة بقاء بشار الأسد رئيسا في سوريا.

المفاجأة تكمن في أن المعارضة لا ترى حلا للأزمة من غير تنحي الرئيس الأسد عن منصبه. سوريا من غير أسد هي البلد الذي يرغب المعارضون في أن يحكموه أو يساهموا في حكمه على الأقل.

يوما ما كان ذلك مطلبا أميركيا وهو المطلب نفسه الذي كان الرئيس الفرنسي يصر عليه حتى وقت قريب. غير أن السياسة كما يفهمها الغربيون وهي من اختراعهم لا تقف أمام حجر ثابت. هناك واقع يملي ارادته وما على السياسيين سوى أن ينفذوا إرادة ذلك الواقع.

غير أن السياسي، أي سياسي لن يصل إلى تلك المعادلة إلا إذا كان حرا ومستقلا، وهما الصفتان اللتان لا يتمتع بهما أفراد المعارضة السورية. فإضافة إلى البعد العقائدي المتشدد الذي يقيد المعارضين بشروطه الجاهزة هناك ارتباط المعارضة بقوى إقليمية ودولية، لا ترى معنى في الحل السياسي في سوريا من غير التخلص من النظام وعلى رأسه الأسد شخصيا.

المعارضة السورية محكومة بمَن يقف خلفها. مَن يمولها ويرعى شؤونها. لذلك فهي لا تمتلك مرونة مَن يتخذ قراره مستقلا وحرا. لن تتمكن تلك المعارضة من القفز على ثوابت الجهات التي تمولها. غير أن ذلك الموقف لا يعني سوى التعبير عن الرغبة في الانتحار السياسي.

وهو ما لا ينفع القضية التي تدعي المعارضة الدفاع عنها في شيء.

فالشعب السوري في اقامته القلقة وفي تشرده المرير ينتظر بأمل أن ينفتح الطرفان السوريان المتفاوضان، أحدهما على الآخر، لا أن يستمرا في الغاء بعضهما البعض الآخر.

ما ينتظره الشعب السوري لا تفكر فيه المعارضة.

من حق النظام الحاكم أن لا يفكر في الانتقال السياسي إذا كانت المعارضة لا ترى ذلك الانتقال ممكنا إلا إذا أزيح رأس ذلك النظام من منصبه. فمن المعروف أن النظام في سوريا قائم في رأسه.

لعبة المعارضة ومَن يقف وراءها مكشوفة. وهو ما صار يتعامل معه النظام بطريقة مكشوفة أيضا. لقد أوقعت المعارضة نفسها بنفسها في أحجيات النظام المعقدة.

فالحرب التي استمرت لست سنوات لم تسقط النظام فهل من المعقول أن تُسقطه مفاوضات في جنيف؟

مَن لا يفهم تلك المعادلة عليه أن يغادر حلبة المفاوضات. ذلك ما يقوله المنطق السياسي.

لقد تغيرت أصول اللعبة الدولية. فالحرب السورية وهي لعبة دولية لم تعد صراعا بين نظام ومعارضة بل هي اشتباك شرس بين مصالح دول عظمى، لا أحد في إمكانه أن يذكرها بمصلحة الشعب السوري.

لذلك فإن حديث المعارضة عن تخلي الغرب عن تعهداته السابقة لا ينم عن فهم عميق للمتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية بسبب سوريا.

لقد تخلى الغرب عن مطالبته بإسقاط رأس النظام السوري مضطرا. لا لأن النظام أثبت قدرته على الصمود وكان عصيا على السقوط بل لأنه كان نصل الحربة التي أشهرها الروس في وجه الغرب تمهيدا لحرب ساخنة بدأت في القرم وقد لا تنتهي بسوريا.

الحرب في سوريا هي امتداد للحرب في القرم.

وإذا ما كان الغرب قد خسر الحرب في القرم فإنه لا يريد أن يخسرها في سوريا. لذلك لم يعد الأسد عقدته. عمليا فإن سوريا بالنسبة للغرب هي أهم من الأسد. فليبق الأسد مقابل أن لا يفقد الغرب مصالحه كلها. من المؤكد أن روسيا التي أُطلقت يدها في سوريا ستضمن الكثير من مصالح الغرب وبالأخص في ما يتعلق بأمن اسرائيل.

ولكن المعارضة في حيرة من أمرها. إن لم يتنح الأسد من منصبه فذلك معناه أنها ستشارك في مرحلة انتقالية يكون عدوها فيها مرشدها. وقد يكون ذلك سببا مقنعا في توقع أن تمضي المعارضة السورية في عنادها الذي يرضي مموليها الذين قد يتخلون عنها في أية لحظة.