نهاية أيام الإنذار الرئاسي: غزة بانتظار الخطوة القادمة

من المفروض أن يوم 25/4 كان هو اليوم الأخير الممنوح لحركة حماس كي تقدم إجاباتها على إنذار الرئيس، ولا شيء يشي بأن موقف حماس الفعلي هو غير ما تقوله أو ما قالته في الإعلام وعبر الناطقين الرسميين باسمها، وملخصه أِن ما يفعله الرئيس عباس هو مؤامرة تستهدف غزة وتستهدف المقاومة، وأن غزة لن تركع، وأن حماس لديها خطط لمواجهة هذه المؤامرة وإفشالها!

كان من المفروض أيضاً أن يوم 26/4 في السابعة مساءً سيلقي الرئيس أبو مازن خطاباً هاماً، لا نعرف ماذا سيحمل بالتخصيص ولكن ربما نستطيع تخمين ما سيقوله في خطوطه العامة فقد أصبح لدينا كثيراً من المعطيات التي يمكننا البناء عليها ومن خلالها نستشرف ما سيقول بالمجمل ومن ثم ما ستؤول إليه الأوضاع في قطاع غزة.

غزة شراكة أم انفصال؟

في مقابلة مع عضو مركزية فتح الأخ حسين الشيخ لخص المطلوب من حركة حماس في الإجابة على سؤال يقول "هل تريدون الشراكة أم الانفصال"؟ والذي لُخص أيضا بالعبارة الشعبية الفلسطينية "يابنشيل يابتشيلوا" أي يا "بنحمل يابتحملوا" والحمولة هي بالطبع قطاع غزة، أي أن المقصود هنا هو المسؤولية عن القطاع المحاصر والمحمل بالأزمات والمآسي.

المواطن الغزي سيكون الضحية الأولى في هذا الصراع وهذا ليس بجديد عليه فهو الضحية منذ عشر سنوات، ضحية لكافة أشكال الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية بفعل العدوان الإسرائيلي وبفعل القهر اليومي الذي يعيش، لذلك المواطن الغزي يحيا بلا أمل ويخشى الغد ويحن للماضي ويكره الحاضر.

حماس وخلال السنوات العشر الماضية لم تستطع إيجاد مخارج ذات قيمة لأزمات القطاع الذي تحكمه، وكان مخرجها الوحيد والذي مازالت تستخدمه عند كل أزمة أو مصيبة تصيب القطاع هو اتهام السلطة الفلسطينية بأنها تخلت عن القطاع وسكانه، ومن خلال هذه التهمة منعت الناس من الثورة عليها حتى ولو كانت ثورتهم بأقل الأدوات خطراً على حكمها المدجج بالسلاح، وهي المظاهرات السلمية، المُنادية بالحقوق الأساسية كالكهرباء وتسليم المعابر.

التهم من قبل حماس معلبة وجاهزة لتقمع بها أي رأي مخالف وأهم هذه التهم هي - العمالة لرام الله، أو الخيانة والتآمر على المقاومة- وهي تهم كافية لإدخال صاحبها السجن لفترات طويلة.

وهي شبيهة بأخطر تهمتين في الاتحاد السوفيتي السابق "معاداة الشيوعية" و"معاداة الاتحاد السوفيتي". ولكن أصبح الاتحاد السوفيتي بتهمهِ وإيديولوجيتهِ في عداد التاريخ اليوم، حيث لم تستطع آلته القمعية الضخمة منع الناس من الثورة وأسقاط النظام بمجمله وتفتيته.

ويمكننا القول أن الفترة الطويلة الماضية التي امتدت عشر سنوات (2007-2017) سمحت لحركة حماس ببناء اقتصاد خاص بها من خلال نظام ضرائبي متشدد أو من خلال تجارة الأنفاق على الحدود مع مصر، بالإضافة للمساهمة المالية الكبيرة للسلطة في تمويل حماس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من خلال تحمُل حكومة رام الله العبء الأكبر في غزة المتمثل في قطاعي الصحة والتعليم والكهرباء ومواصلتها دفع الرواتب كاملة لموظفي السلطة البالغ عددهم خمسين الف موظف يعيلون في الحد الأدنى ربع مليون غزي، وهؤلاء هم من يحرك القطاع الخاص من خلال رواتبهم التي تُحرك الاقتصاد الغزي بشكل عام وهي بالتالي التي تجعل حماس قادرة على تحصيل الضرائب من التجار وتحويلها إلى خزينتها وتدفعها لموظفي حكومتها كرواتب أو كموازنات تُسير بها مؤسساتها.

كل ذلك من المتوقع أن يتم إيقافه عبر خطاب الرئيس المرتقب والذي قد لا يقول ذلك بصراحة بل بعبارات عامة ويترك التنفيذ والإجراءات لمؤسسات السلطة المختلفة بأن تقوم بعملية فصل أنابيب الدم الذي يزود قطاع غزة بالأوكسجين الحيوي الذي يُسير عمل أجهزة حماس الحكومية والاقتصاد الغزي بشكل عام.

السؤال ماذا ستفعل حماس حال تم ذلك؟ عدا عن تسيير مسيرات ضخمة وامتطاء خطبائها المنابر في أيام الجمع ويتركوا العنان لحناجرهم كي تّنظم في أبي مازن أفظع أبيات الشعر في الحديث عن سلطة عباس (الخائنة).

ماذا ستفعل حماس غير ذلك بل على ماذا تراهن حماس إذن؟

سؤال يطرحه أكثر من محلل سياسي واقتصادي، هل تراهن على "خيار شمشون" أي خيار الحرب مع إسرائيل لقلب الطاولة على رؤوس الجميع؟

ربما ولكن هذا الخيار غير محمود العواقب فالرؤوس التي ستُهشم هي جماجم أطفال ونساء وشيوخ وشباب غزة، والبيوت التي ستُهدم هي البيوت الغزية.

ولن يهب أحداً في الإقليم المجاور الكاره لحماس بفعل الإيديولوجيا لنجدتها.

يبقى الغموض الذي يكتنف الموقف الإيراني الذي قد يكون يحتاج حماس في معركته مع الاميركان ومع المحور السني الإسرائيلي والذي يقول البعض أن موقف قيادة حماس الجديدة في غزة يُحبذ إعادة بناء العلاقة مع الإيرانيين وحلف الممانعة من جديد. ولكن هذا من باب الاحتمالات أما في باب الثابت فهما الموقفان التركي والقطري فربما هما المفتاح الذي تراهن عليه حماس والذي قد يُفسر تصلب حماس وتحديها للإنذار الصادر عن الرئيس.

ما الذي ستمنحه قطر وتركيا لحماس بعد استفحال الأزمة الإنسانية في القطاع؟

هل هي الدولة الموعودة على ما يُظن، دولة غزة التي سيكون لها ميناء بحري ومطار في شمال القطاع؟

قد يكون ذلك وذلك ليس سراً ولم نكتشفه نحن فجأة بل هو واقعا موجودا ويُعمل عليه من سنوات وقد تحدث عنه الجنرال السعودي أنور عشقي وتحدث عنه جاويش أوغلو وزير الخارجية التركي في معرض حديثه عن الإنجازات التركية أمام الأميركيين في واشنطن حيث ذكر أن حماس "وافقت على الاعتراف بإسرائيل ووافقت على التفاوض معها ووافقت على نزع سلاحها". وقد يسأل سائل، لماذا ذلك ومقابل ماذا تفعل حماس؟

بإمكاننا أن نستنج أنه مقابل الدولة.

وكذلك فإننا ومن خلال قراءتنا لتصريحات قادة حماس في الآونة الأخيرة التي سبقت تشكيل اللجنة الإدارية للقطاع (وهي القشة التي قصمت ظهر البعير)، فعلى سبيل المثال: صرح القيادي محمود الزهار: "أن المجلس التشريعي الذي تهيمن عليه حركته هو الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" (الغريب أن المجلس التشريعي هو نتاج أتفاق أوسلو الذي لا تعترف به حركة حماس!) وكذلك ما سبقه من تصريح لنائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق حول الحاجة لتشكيل فدرالية ما بين الضفة وغزة كحل نهائي لثنائية الحكم في الشطرين. والفدرالية هي شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين حكومة مركزية (أو حكومة فيدرالية او اتحادية) ووحدات حكومية أصغر (الأقاليم، الولايات) بمعنى دولة في غزة وحكم ذاتي في الضفة وهذا المشروع قديم وهو مشروع إسرائيلي يتم تبنيه من أطراف إقليمية ولو بشكل خافت ومقنع.

وكذلك من ضمن ما يقود إلى دولة غزة هو ما تضمنته وثيقة حماس الجديدة التي تؤكد على قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 67.

كل ذلك إذا تم جمعه يصب في قبول حماس الدخول في تسوية لها علاقة ببقاء حكمها في قطاع غزة.

ومع أن هذه التصريحات كانت محل استنكار من قبل الفصائل الفلسطينية إلا أن ذلك لم يغير من قناعات حماس بتجاوز مؤسسة الحكومة الشرعية ومنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.

إذ كيف يمكن أن تقام دولة فدرالية تحت الاحتلال وكيف يكون المجلس التشريعي هو الممثل الشرعي والوحيد وهذا التمثيل في معناه البعيد أن حماس هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني فكلمة المجلس ليست إلا غلاف للمعنى الأبعد؟

بالطبع لا يمكن تصور حل كهذا يقيناً إلا وفق مفهوم الدولة المؤقتة الإسرائيلي والمتضمن دولة في قطاع غزة وحكم ذاتي في الضفة وهو ما نصح الجنرال السعودي أنور عشقي الأطراف الفلسطينية القبول به كحل مؤقت، وقد صرح به علنا في عدة لقاءات وهو ما يعني أن الرباعية العربية أو بعضها يقبل بهذا الحل ويضمر غير ما يبطن.

وما يضيف إلى هذا التحليل مصداقية هو أن صحيفة هآرتس سربت خبراً مفاده أنه إذا نفذ أبو مازن تهديداته لحماس وانفصل عن غزة فعلياً ووصلت الأمور فيها إلى وضع كارثي فإن إسرائيل تدرس تحويل أموال المقاصة إلى جهة ما سيادية في غزة؟ وهذا يشير إلى أن إسرائيل ستدخل على الأزمة لأن الانفجار الغزي سيكون في وجهها.

ولكن أين القيادة الفلسطينية والرئيس أبو مازن من كل هذا ولماذا هذه الاستفاقة المتأخرة جداً؟ وماذا سيفعل في مقابل ذلك؟ كيف سيُطلق قطاع غزة عن الضفة الغربية؟ وهل يمكن إقامة دولة في الضفة التي زرعتها إسرائيل بالمستوطنات وبأكثر من سبع مئة ألف مستوطن وتسميها يهودا والسامرة حال الانفصال عن غزة؟

بالطبع لا، إلا إذا قبلت القيادة بمشروع دولة الـ 38 كانتون اليهودي العربي في فلسطين التاريخية باستثناء قطاع غزة، وهذا مستحيل.

أين سيكون مصير المشروع الوطني الفلسطيني بعد كل هذا؟

وكيف تتوقع القيادة انهيار حكم حماس خلال السنة الحالية التي سماها الرئيس عباس بعام الدولة الفلسطينية؟

الكل الفلسطيني في مأزق، رغم اختلاف المسميات السياسية، ومواقع الجغرافيا.

ما لم يُحل خلال عشر سنوات مضت لا يكفي إنذار متأخر لحله، سيبقى الفلسطينيون يراوحون في المكان، ستبقى الاجتهادات، ولكن كل يوم يمر يتبدد الأمل لدى قطاعات أكبر من الشعب الفلسطيني.

الحفرة التي وقع فيها الفلسطينيين بسبب الانقسام، لا حل للخروج منها إلا بالوحدة، والوحدة تعني الشراكة الوطنية، الشراكة في المأزق الحالي يجب أن تقود إلى التعاون في إيجاد مخرج منه، خصوصا في ظل عتمة المشهد العربي والدولي المحيط بالقضية الفلسطينية، المطلوب أن تمر هذه الايام دون أن تتنازل القيادة الفلسطينية أكثر ودون ان ننحني حد الركوع. فترامب لا يقدم حلا بل يُقدم شروطاً استسلاميه لا يمكن لأي قائد فلسطيني القبول بها.