الجهل خلاّق أوهام في لبنان

منذ عقود واللبنانيون يعيشون التلوث على انواعه.. اللوثات في لبنان أكثر من أن تُعدّ وتحصى.. لوثة الفساد عمرها من عمر لبنان.. لوثة غياب الدولة قديمة العهد.. لوثة الطائفية السياسية الفاسدة بدأت مع الدستور ومع حكم الطوائف في لبنان، يوم منحنا الفرنسيون استقلالنا.. لوثة المحسوبيات بدأت مع اول رئيس لبناني بعد الاستقلال.. لوثة حكم لبنان من قبل طبقة الـ4% من الاغنياء بلغت أوجها قبل الحرب الأهلية واستمرت.. لوثة سماسرة الادارة والسياسة عتيقة.. وهنا اتذكر مؤتمر مزارعي الشمندر في بداية الستينات، عندما اشتكوا امرهم الى كمال جنبلاط من ان الدولة تشتري الشمندر من المزارعين بنصف قرش.. والمزارع يشتري "التفل" اي بقايا الشمندر بعد عصره بقرش.. نحن كنا ولم نزل في دولة "تفلها" اغلى من "جنا" فلاحيها.. لوثة ضرب المؤسسات الرسمية على حساب الخاصة تاريخية في لبنان.. قال الدكتور ادمون نعيم بعد تعيينه رئيسا للجامعة اللبنانية، لكمال جنبلاط نقلا عن الدكتور فؤاد افرام البستاني اول رئيس للجامعة اللبنانية الوطنية.. انتبه يوم عٌينت انا رئيسا للجامعة قيل لي: مهمتك الاولى والأهم اقفال الجامعة كذا.. وذلك لمصلحة الجامعات الخاصة.. وذات السياسة اعتُمدت في التعليم الرسمي ولا زالت السياسات ذاتها معتمدة حتى اليوم على حساب الارساليات الأجنبية.. أضف اليها اليوم "الارساليات" المحلية المذهبة..

وللتذكير فقط، عندما تسلم كمال جنبلاط وزارة التربية في حكومة صائب سلام 1961 – 1962، قام بخطوتين متلازمتين: قرار بانشاء ثانويات رسمية في بيروت والمناطق حيث "طبّق اللامركرية" وعمم الثانويات والمهنيات على كل المناطق اللبنانية، وقرار آخر بتحويل دار المعلمين العليا الى كلية التربية في الجامعة اللبنانية، بقصد تخريج اساتذة متخصصين..

وان كنا نتذكّر بايام القحط السياسي، فلا يجب ان ننسى المراحل المضيئة من تاريخ لبنان وتاريخ رجالاته الكبار من الرئيس كميل شمعون الذي عرف اهمية الحفاظ غلى التوازنات في الجبل الغني بتعدديته وتنوعه، رغم الانقسامات السياسية الحادة.. ولنتذكر قول "الأفندي" رشيد كرامي: "كميل وكمال مختلفان في السياسة ومتفقان في الجبل"..

الى موريس الجميل الاصلاحي والرؤيوي وصاحب نظريات التخطيط والتصميم من أجل المستقبل ومن اجل شباب لبنان.. ومن الذين تولوا الدفاع الى جانب كمال جنبلاط عن انطون سعادة قبيل اعدامه.. الاثنان مختلفان في السياسة ولكنهما متفقان عى حماية الحريات.. الخلاف السياسي لا يمنع.

الى فؤاد شهاب باني المؤسسات واول قائد للجيش اللبناني الذي حوله الى مؤسسة لا "شريك لها".. الى رئيس رفض التمديد.. واصدر قانونا للإنتخابات النيابية لا زال ساري المفعول حتى اليوم.. وغادر الرئاسة فقيرا..

الى الرئيس حسين الحسيني وهو من رعيل رجالات الدولة في لبنان الذي قال: "لولا الطائفية كمال جنبلاط كان مؤهلا ان يكون رئيسا للجمهورية كونه الأكثر كفاءة"..

اما اليوم وفي غياب رجالات الدولة وافتقاد حسّ التسوية وتدوير الزوايا.. صار العنوان الأول "انا او لا أحد" وتحولنا من "اكلة الجبنة" الذي حذّر منهم فؤاد شهاب الى اكلة البلد.. وبات الحديثي النعمة في السياسة.. يتوهمون انهم قادرون على تغيير التاريخ.. ويثأرون للنفي والإضهاد من شركائهم في الوطن علما ان النفي والسجن لم يكن "رضائيا" كما يقول احد جهابذتهم.. وهو لم يكن قد بلغ سن الرشد في تلك المرحلة القريبة.. ونذكّر هؤلاء انهم اليوم هم أكثر الحلفاء المخلصين لمن نفاهم واضطهدهم.. ويتنكرون لمن حماهم من الإضهاد والوصاية.. وليس هذا عريبا فغالبا يحب السجين سجّانه..

غريب كيف يكون قانون الانتخاب بالنسبة لهؤلاء، على اهميته، قضية حياة او موت.. وكيف تؤمّن السيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية.. وكيف يتأمن العيش بسلام وطمأنينة.. على حساب المصالحة والشراكة والتنوع؟ ولم نفهم قصد هذا "الجهبذ" الصغير عندما قال: "وأي كلام عن إلغاء أو عزل غير موجود في قاموسنا إن كان على مستوى قانون الانتخاب أو في موضوع السلاح".. لماذا "حشر" السلاح بقانون الانتخاب؟ لا ندري..

والأنكى، عندما يتهمون الآخرين بالطائفية.. وهل يرون ان القانون الارثوذكسي هو ارقى درجات العلمنة؟.. وهل منع الزوجة من انتخاب زوجها في "التأهيلي" هو ارقى درجات العدالة والمساوات والشراكة؟ وهل حرمان الشريك في القرية من التصويت لشريكه المختلف قمة الوحدة الوطنية والشراكة؟ وهل حرمان أكثر من 120 الف ناخب من الإقتراع لأي كان لعدم وجود مرشح من مذهبهم؟؟ منع الجار من الاقتراع لجاره لاختلاف المذهب.. يقارب العنصرية.. فهل هذا يتوافق مع الدستور؟ الذين بحاجة للتأهيل.. هم أصحاب هذه المشاريع "الهمايونية" و"الخنفشارية".. غريبون يخالفون الدستور.. والعهد عهدهم وهو المؤتمن على حماية الدستور..

كفاكم مزايدة، فمن يدّعي العلمنة عليه الإقلاع عن القوانين التأهيلية الطائفية المشبوهة.. ونحن جاهزون لها.. ومن يريد قانوناً انتخابياً على أساس الطوائف عليه الالتزام بالدستور..

واخيرا، من يعتقد ان المسايرة والمحابات من التأهيلي الى اعتماد التصويت الى تعديل الطائف على مشاريع القوانين الإنتخابية انها تحفظ الموقع فهو مخطىء.. وليصغ جيدا الى كلام الحاج حسين خليل الذي رفض خيار التصويت في مجلس الوزراء في ظل وجود معارضة من مكونين أساسيين في البلد هما حركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي.. وليستمع الى كلام النائب نواف الموسوي الذي قال: "هل هذه هي اللحظة المناسبة لفتح باب التعديل الدستوري، فكيف إذا كان هذا الباب لا يتعلق بتعديل الدستور فقط، بل يطال تعديل اتفاق الطائف نفسه؟.. لماذا يُطرح تعديل دستوري من بند واحد ولا نعالج التعديلات الدستورية الأخرى".

قال كمال جنبلاط "الخوف خلاّق اوهام".. ولكن، في زمن الصغار والجهلة وطواويس السياسة يمكنك ان تسمع كل الهرطقات.. ويمكننا ان تقول: الجهل خلاّق اوهام.. ونرجو "اللطف".