ماكرون ولوبان يرثيان الايديولوجيات الاوروبية

كانت الاوروشيوعية، التي عرفتها اوروبا في سبعينيات القرن الماضي، محاولة لاعادة تموضع الاحزاب الشيوعية هناك، ولقطع الطريق على ما عرف بالاشتراكية الدولية، بعد ان لملمت الراسمالية شتات الاحزاب الاشتراكية الاوروبية، غير الشيوعية، واعادت انتاجها، بصفتها ضدا نوعيا للشيوعية، بعد ان روضتها الراسمالية من قبل، ووضعتها في سياق نظامها السياسي. معروف ان احزاب الاشتراكية الدولية كانت منبوذة او مطرودة من البيت الاشتراكي، وفقا لمقررات الاممية الثانية، نهاية القرن التاسع عشر، لاندماجها في اللعبة الانتخابية وتكريس النموذج الليبرالي، الذي فشل في معالجة مشاكل الناس بعد الثورة الصناعية التي خلّفت تفاوتا طبقيا مرعبا، حيث بدأت حينذاك، ارهاصات ثورة عمالية عارمة توقع المراقبون انطلاقها من بين حشود الملايين المقهورة تحت عسف الرأسمالية الصاعدة، في القرنين الاخيرين، بكل حمولتها الاستحواذية وتهميشها الانسان وقيم الحياة في تلك المرحلة المحتدمة.

لقد كان لابد من وجود الضد النوعي للشيوعية ومشروعها الاشتراكي، لاسيما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، او الحرب الباردة، للوقوف امام المد الشيوعي وتحييده في الاقل. فكانت تنظيرات غرامشي وغيره مرجعا لمفكري الماركسية في تلك الحقبة، لإيجاد شيوعية من نوع خاص، تناسب وضع اوروبا المختلف عن روسيا وبقية دول العالم، او المتقدم عليها، وهكذا ولدت الاوروشيوعية، كمحاولة لانقاذ الشيوعية في اوروبا او ايجاد صيغة مقبولة لها في بلدان تكرست فيها قيم الديمقراطية والتعددية بمختلف اشكالها. بعد عقود، سقط النظام الشيوعي في معقله الروسي وتداعت بعده وقبله النظم الشيوعية الاخرى في اوروبا. وبانتهائه او انتهاء خطره انتفت الحاجة، بالنسبة لرأسماليي اوروبا، حتى للاشتراكية الدولية واحزابها، وبدأت مرحلة جديدة، ليس في اوروبا وحدها بل في العالم كله.

لكن اغلب الاحزاب الاشتراكية في اوروبا، حققت بعض النجاحات، تمثلت بوصولها الى السلطة، بعد وعود انتخابية متوازنة، في المرحلة الرجراجة التي اعقبت انهيار المعسكر الاشتراكي، لاسيما مطلع الالفية الجديدة. لكن المشكلة الجديدة في اوروبا تمثلت بمواجهة المد العاتي للعولمة الاميركية التي تتعارض مع قيم اوروبا وكبرياء دولها القومية، اضافة الى ما خلفته العولمة من تداعيات دولية على اقتصاديات العالم الفقير وتصحيره في مناطق واسعة من الكرة الارضية، مكتظة بالسكان. وهكذا بدأت الهجرة التي ضغطت على الشعوب الاوروبية، ثقافيا واقتصاديا، ليجد ساسة اوروبا انفسهم امام تحديات متداخلة، يصعب تجاوزها بالحلول الانتقائية، فالخلل السكاني في بلدانهم، والذي يستدعي استقدام ايد عاملة اجنبية باستمرار، يقابل برفض شعبي لا يستهان به، مدعوم من قوى واحزاب يمينية متطرفة وغير متطرفة ايضا، جعلت الواقع السياسي اكثر اضطرابا، قبل ان يدخل الارهاب الاعمى على الخط، ويخلط الاوراق تماما، ويخلق حالة فرز غير مسبوقة في المواقف، ويدخل اوروبا في دوامة من جدل، بصبغة ايديولوجية جديدة بلا ملامح واضحة، عبرت عنها او عكستها برامج آنية تحاول معالجة قضايا يصعب معالجاتها في سياق اجرائي، لانها اكبر من ذلك بكثير.

الانتخابات الفرنسية الحالية، التي تقترب من لحظة الحسم، اكدت ان اوروبا عقدت العزم باتجاه رؤية جديدة للحكم، رؤية تبحث عن نظرية جديدة تستوعب التغيرات وتعبّر عنها، اذ لم تعد الشيوعية نافعة هناك بعد ان انزوت تماما وتلاشت تقريبا احزابها. اما الاحزاب الاشتراكية، فبالرغم من اندماجها بالنظام الليبرالي وتواضعها مع منطق الرأسمالية من قبل، وجدت نفسها اخيرا بلا غطاء ثقافي او سياسي يعصمها من ذبذبة الجماهير الاوروبية، وتأرجحها وسط البرامج التي تعالج مشاكل، فرضتها معطيات سياسة دولية، اخذت تكتسح العالم، وتقترب من انتاج نظرية جديدة للحكم، تتناسب مع واقع ما بعد البرزخ الذي عاشته البشرية، اثر انهيار المعسكر الاشتراكي، وانفراد الرأسمالية، بنسختها الاميركية الجديدة، بقيادة العالم، ولعلها – الرأسمالية - اخذت تتعثر بنفسها الان، وتبحث عن وسائل لتجديد نفسها، بعد ان شبعت تجديدات حتى اصبحت غريبة تماما على آدم سميث نفسه!

ماكرون ومنافسته مارين لوبان على رئاسة فرنسا، ثنائي تتجلى فيه صورة اوروبا الجديدة. فلوبان المتطرفة في توجهها القومي، لا تنطوي على نظرية ذات قيمة، بينما ماكرون صاحب حركة الى الامام، لا يمثل وجهة عقائدية معينة، مع انهما تنافسا مع مرشحي الطيف السياسي الفرنسي، باحزابه التقليدية وابرزها، الاشتراكي، الجمهوري، الديغولي، وغيرها، والتي لم تنجح جميعها في بلوغ المرحلة الثانية من السباق، ما يدل على ان عصر الايديولوجيات قد افل في اوروبا، لصالح شكل جديد من الواقعية السياسية، واقعية تقرأ رغبات الناس الآنية بعيدا عن النظريات والاحلام الكبيرة.

اين الخطأ في الذي يحصل في اوروبا والعالم؟ سؤال ربما كرره اكثر من مفكر وحالم بغد اجمل للبشرية. لكن الاكيد ان الاجابة عليه تحتاج الى وقفة طويلة، بعد ان تتضح معالم الصورة الجديدة التي اخذت معالمها تتبلور في فرنسا، بلد الثورات الفكرية التي غالبا ما غيرت وجه العالم.