كيف خذل الإعلام رؤية الأمير محمد بن سلمان؟

كانت الساحة المحلية قبل ظهور ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في برنامج الثامنة مسرحاً للتنبؤات غير السارة ومرتعاً خصباً لنشر الشائعات والاحباطات بين السواد الأعظم من أبناء الوطن، بعدما شهدت الأشهر الماضية حزمة من الإجراءات التقشفية التي كانت تهدف إلى خفض الانفاق الحكومي إلى الحد الذي يتواءم مع مداخيل النفط المنخفضة، كي لا يرتفع سقف العجز المحلي إلى أرقام فلكية قد يرهق كاهل الاقتصاد المحلي في السنوات القادمة. ونتيجة لذلك، انخفضت القوة الشرائية في السوق المحلي بشكل ملحوظ مما أدى إلى انعكاسات سلبية على الصعيدين الاجتماعي والأمني في المملكة، وهي حالة تمر بها أغلب البلدان التي يعتمد اقتصادها على مورد واحد أو موارد محدودة بسبب المستجدات والتطورات التي يشهدها الاقتصاد العالمي من حين لآخر.

وفي خضم هذا التحول المفاجئ داخل المملكة، كانت الناس تدور في فلك صدمة الإجراءات التقشفية التي اتخذتها الحكومة فجأة دون مقدمات بحيث أن المواطن شعر للوهلة الأولى بأنه في طريقه إلى الانتقال من الرفاهية واليسر إلى التقشف والعسر! ولك أن تتخيل المشاعر السلبية التي اجتاحت النفوس بعدما توالت التصريحات غير الموفقة من بعض الوزراء في تلك الحلقة المشؤومة من برنامج الثامنة، وكيف أن وسائل التواصل الاجتماعي ضجت استنكاراً واعتراضاً على معالي وزير الخدمة المدنية السابق انتاجية موظفي الدولة بالمنخفضة جداً بحيث أنها لا تزيد عن ساعة واحدة في اليوم على أحسن تقدير! ناهيك عن التخبطات المتكررة لوزارة الإسكان من خلال تطبيقها لبرامج أقل ما يمكن أن توصف به بأنها محبطة، لأنه يغلب عليها الطابع الارتجالي الذي أثبته عزوف الكثيرون عن برامجها السابقة رغم أن الدعم السكني ظل مستمراً بسخاءه المعهود.

والحقيقة أن أبرز ملامح المرحلة التي تلت صدور القرارات الوزارية الخاصة بإلغاء بعض البدلات والمزايا والمكافآت، هو الغياب الإعلامي التام عن مواكبة الطموحات والتطلعات المعلنة. ولا أعرف حقيقةً لماذا غابت تفاصيل الرؤية عن المشهد الإعلامي بهذه الصورة المحزنة رغم أنها كانت كفيلة ببث روح التفاؤل بغدٍ واعد ودولة عصرية ذات مداخيل اقتصادية متنوعة؟ ولولا اللقاء التاريخي مع ولي ولي العهد لما علم أحداً إلى الآن بتفاصيل الرؤية! حيث لم يدع الأمير محمد بن سلمان شاردة ولا واردة تتعلق برؤية 2030 إلا وأفصح عنها في حديثه الشفاف جداً في ذلك اللقاء، كما أنه لم يغفل في حديثه التطرق إلى الملفات السياسية الحساسة جداً وعلى وجه التحديد العلاقة المتوترة بين المملكة وإيران منذ اندلاع الثورة الخمينية المشؤومة في ايران راسماً في اجاباته الواضحة الخطوط العريضة لمستقبل العلاقات بين البلدين.

لقد كان اللقاء بمثابة رسالة مبسطة تحمل في طياتها طموح وآمال شاب يؤمن بان المستقبل سيكون حافلاً بالنجاحات والانجازات طالما أن الظروف مهيأة والامكانات متاحة أكثر من أي وقت مضى، وأقولها بكل صراحة لم يكن سقف توقعاتي لما سيسفر عنه اللقاء من وضوح وشفافية يصل إلى هذا الحد من الوضوح والشفافية، وذلك لسببين: الأول أنه درجت العادة أن التواصل بين المسؤول والإعلام يتم عبر أطر محددة بحيث أن الأسئلة التي لا تروق للمسؤول يتم استبعادها أو على أقل تقدير تهذيبها وتشذيبها كي تكون في السياق المقبول لطرحها في مثل هذه اللقاءات التي توصف بأنها من العيار الثقيل. والسبب الثاني هو أن صحافتنا المحلية تفتقد إلى الجراءة المهنية في طرح الأسئلة على اصحاب القرار، بالإضافة إلى تركيزها غالباً على الأسئلة السطحية والتي من الممكن أن يكتفي المسؤول بالإجابة عليها دون أن يضطر إلى الدخول في التفاصيل لإيضاح فكرته أو رأيه حول الموضوع. وهو الأمر الذي لم يحدث على الإطلاق أثناء اللقاء مع الأمير محمد بن سلمان، إذ كانت الأسئلة انعكاساً حقيقياً لما يدور من أحاديث في المجالس ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي حول الرؤية بل إن بعض الأسئلة التي طرحت أثناء اللقاء فاقت في جرأتها ما يروجه أشد المناهضين للرؤية.

ويُحسب لمقدم برنامج الثامنة داود الشريان أنه نقل تساؤلات واستفسارات شريحة واسعة من المجتمع بمنتهى الأمانة والشجاعة، وفي المقابل كان الأمير الشاب على قدر عالٍ من الشفافية وهو يرد على تلك الأسئلة بثقة مطلقة، مسدلاً الستار على أهم ما تصبو إليه رؤيته الطموحة ومزيلاً بإجاباته غموض المرحلة السابقة، والتي لم يخدمها الاعلام المحلي رغم أن الكثير من الكتاب والمثقفين كانوا شهوداً على بداية انطلاقتها. صحيح أن العديد من الكتاب تطرقوا في مقالاتهم للرؤية إلا أن تلك المقالات مع احترامي الشديد لم تلامس روح الرؤية بالشكل الذي يزيد من تفاؤلنا أو كما أراد لها عرابها حيث كانت تفاصيل الرؤية غائبة في كتاباتهم بل ظهر بعضهم أشبه بالمهرج الذي يستأجره الناس في الأفراح والموالد، فكل همه اضحاك من حوله أو على أقل تقدير رسم الابتسامة على وجوههم لحين الانتهاء من العرض.

وهنا تتجلى أهمية دور وسائل الإعلام كسلطة رابعة بإمكانها أن تعبر بأصوات الموطنين كل الحواجز السلطوية إلى حيث يكون صاحب القرار كي يسمع صوت الشارع ويحاوره بذات المنطق والحجة التي يؤمن بها ويضعه في قلب الصورة بكل تفاصيلها المتشعبة. لعل اللقاء التاريخي يكون محفزاً لسفيرنا السابق ووزيرنا الجديد الدكتور عواد العواد فهو من الكفاءات التي اثبتت تميزها على الصعيدين العلمي والعملي، فتمنياتنا له بالتوفيق والسدد في خطواته القادمة.