لمَن نشتري السلاح؟

هل هناك حرب كبيرة قادمة ستشهدها المنطقة العربية؟ هناك من يسوق لفكرة حرب عالمية ثالثة يكون الشرق الأوسط حاضنة شرارتها الأولى.

فكرة سخيفة من ذلك النوع لا تنسجم مع التنسيق بين روسيا والولايات المتحدة. على الأقل في سوريا. فهل ستشن الصين وهي مصنع العالم حربا على زبانئها؟

تلك الحرب المتخيلة كذبة. ذلك لأن هناك حروبا تعوض محليا عنها. فإسرائيل وهي مشكلة الشرق الأوسط القديمة التي لا تزال قائمة ومؤثرة ليست مضطرة إلى خوض حرب ضد العرب الذين صار يعضهم يقتل البعض الآخر وهو ما أعفى الدولة العبرية من استنزاف طاقتها في ما لا ينفع.

كل التفكير منصب على إيران التي صارت تلهث في سباق تسلح لا مستقبل له. ذلك لأنه لن يسمح لها بأن تكون باكستان الثانية على مستوى التسلح النووي. أما امكانياتها العسكرية التقليدية فإنها لا تؤهلها لخوض حرب قد تؤدي إلى هلاك نظامها بسبب أزماته الداخلية.

إسرائيل وهي المستفيدة من حالة الضعف والانهاك التي انتهى إليها العرب من حولها لا تفكر أصلا في توسيع حدودها التي لا يهددها أحد. اما إيران التي تفاخر بأذرعها الممتدة من صنعاء حتى بيروت فإنها لن تجرؤ على ارسال جندي إيراني واحد إلى مناطق الصراع المحتدم. إنها تحارب هناك عن طريق ميليشياتها المحلية وجيش المستشارين من جنرالات الحرس الثوري الذي أعد لمهمات عقائدية مسلحة، من أجل حفظ أمن النظام، وليس من أجل تصدير الثورة.

من هذا المنطلق يمكن القول إن العالم العربي لن يتعرض لخطر حرب يُمكن أن تشن عليه من قبل أطراف خارجية. ذلك العالم صار يتآكل متأثرا بحروبه الداخلية. ما يحدث للعالم العربي داخليا يغني عدوه العاقل (إسرائيل) عن التدخل في شؤونه أما عدوه المجنون عقائديا (إيران) فإنه حتى هذه اللحظة لم يشعر بأن تدخلاته ستدخله في مأزق قد يؤدي إلى نهايته ولكنه سينزوي بعيدا مع أول نظرة غضب حقيقة يلقيها طرف دولي عليه.

ليس اللعب المجاني في الشرق الأوسط أمرا ميسرا لمَن شاء.

هناك قوانين دولية تحكم تلك اللعبة. وهي قوانين لم يتعرف العرب للأسف حتى الآن على أصولها. ولهذا خسر العرب حروبهم مع اسرائيل وأهدروا انتصارهم على إيران في حرب الثمان سنوات يوم تخلوا عن العراق.

وهو ما سمح للعدوين في تحقيق أعظم اختراق في تاريخ كراهيتهما للعرب. "اقتلك لكن من خلال انتحارك الذاتي". هذا ما صار يراه العدوان منجزا من خلال نشاط المنظمات والجماعات والأحزاب التي تبنت العنف وسيلة لها لا من أجل الوصول إلى السلطة حسب بل وأيضا من أجل إذابة المجتمعات وتقزيمها من خلال إذلالها ومصادرة تفكيرها في الحرية.

لا فرق في ذلك بين جماعة الاخوان المسلمين المصرية باعتبارها مدرسة الإرهاب الأولى في عالمنا العربي المعاصر وحزب الله اللبناني الذي صار رمزا لرفع السلاح ضد الدولة والمجتمع معا.

لمَن يشتري العرب السلاح إذن؟

لن ينفعهم السلاح مهما كانت كفاءته في شيء. ذلك لأن حربهم ضد القاعدة وداعش وحزب الله وعصائب أهل الحق وفيلق بدر والحوثيين وجبهة النصرة والاخوان المسلمين لن يحسمها السلاح.

ما ينفقه العرب من أموال على السلاح خطأً يمكنه أن يحقق تنمية مستدامة في كل أنحاء العالم العربي ويشمل بنعمته جميع نواحي الحياة من تعليم وأمن وصحة وصولا إلى إشاعة مبدأ العدالة الاجتماعية وبناء بنية تحتية معاصرة. وهو ما يمكن أن يغلق الباب أمام تنامي مؤسسات الإرهاب التي تعتاش على الفقر والحرمان والعزل والإقصاء والجهل والتمييز والاضطراب الأمني والتمايز الطبقي.

لا أعتقد أن فكرة الاستعداد لحرب محتملة من خلال التسلح ستنقذ العرب مما هم فيه. لقد بدأت الحرب عليهم منذ سنوات بسبب اهمالهم لمقومات الحياة الحقيقية داخل بلدانهم وهو ما صنع من مجتمعاتهم بؤرا جاهزة لاستقبال مختلف أنواع العنف والإرهاب اللذين صارا يُمارسان بذريعة الإصلاح الديني. وهو أمر مشكوك فيه أصلا.

نضحك على أنفسنا لو صدقنا أن فرسان الإسلام السياسي في زماننا هم تقاة يوم الساعة. إنهم مراوغون ومحتالون وانتهازيون وبائعو عقائد ومزيفو حقائق وصانعو آمال كاذبة ومخترعو حياة وهمية وطامعون في السلطة بدءا من حسن البنا وانتهاء بحسن نصرالله مرورا بسيد قطب والخميني وراشد الغنوشي وحسن الترابي.

السلاح ليس هو الحل بل أن ذلك الحل يكمن في القضاء على مشكلات الشعوب في الفقر والجهل والمرض والتهميش والعزل وتقييد الحريات والحرمان والقصر والإبعاد وسواها من مظاهر غياب العدالة الاجتماعية. وهو ما يمكن أن يقف العرب متكاتفين من أجل من أجل إنجازه في كل أنحاء عالمهم.