على هامش قمة الرياض الاميركية الاسلامية

يقول برتراند رسل "يمكن للمجتمعات ان تكون جاهلة ومتخلفة، ولكن الاخطر ان ترى جهلها مقدسا." المشكلة هي ان الجاهل الذي يقدس شيئا ما لا يستحق التقديس، لا يدرك انه يمارس الجهل، بل يعتقد انه يمارس الفعل الصحيح، ويلوم غيره ممن يخالفه الرأي والرؤيا. وفي الحقيقة، اثبتت التجارب الانسانية الكبيرة، ان ممارسة الجهل ليس حكرا على بسطاء الناس وأمييهم فقط، وانما حتى بعض المتعلمين والمثقفين او المشتغلين في حقول المعرفة المختلفة، ممن يمارسون احيانا الجهل وتضليل الناس من دون ان يدركوا ذلك، والاّ ماذا نسمي قادة الحروب التي وقف خلفها ساسة وعسكريون ومجّدها مثقفون، والتي جاءت في اطار الصراع على الثروات والحدود وغيرها، بينما كان بالامكان وصول الجميع لاهدافهم بالتفاهم والحوار، وهو ما ادركته الشعوب الاوروبية، مثلا، التي خاضت حروبا مريرة، لاسيما في القرن الماضي، وكادت تفني الجنس البشري هناك، قبل ان يهتدي العقل الاوروبي الى صيغة للتعاون انتهت باوروبا كيانا موحدا، ينعم بالرفاهية والحياة السعيدة اليوم.

الدول الاسلامية، عاشت ظروفا شبيهة بظروف اوروبا، اذ دخلت معظمها في حروب بينية، ومشاكل وخلافات، ادت الى انحطاطها وتخلفها، ودفعت فيها اثمانا باهظة على مستوى الارواح والثروات، لكنها لم تتعلم الدرس ولم تستفد من تلك التجارب المريرة، بالعكس من اوروبا، وهنا يبرز السؤال.. لماذا؟

لقد تحررت اوروبا، ابتداء، من تقديس الجهل الذي ما ان تكتشف انه يخالط سلوكها في امر ما حتى تغادره، وبدأت معركتها تلك منذ ان فصلت الدين عن الدولة، وصارت تعتمد الواقعية السياسية والعقل معيارا لحل مشاكلها، وعلى الرغم من انها تعثرت كثيرا بنفسها قبل ان تصل الى مبتغاها في التحضر الذي تعيشه اليوم، لكنها ظلت باستمرار تجدد نفسها وتكتشف مواطن الخلل في سلوكها وتعمل على تصحيحه. اما العرب والمسلمون بشكل عام، فانهم يتفننون في اكتشاف اساليب جديدة، تقيّد من حرية العقل وتربطه بطريقة تعسفية بمقدسات متعارضة، تحاول كل جهة ان تفرضها على الاخرى، حتى وصلنا الى ما نحن عليه اليوم من انحطاط وسلمنا امرنا الى تنظيمات ارهابية، اسهم اغلبنا من حيث يقصد او لا يقصد في صناعتها. فالدول الاسلامية ومنها العربية، ظلت انظمتها تعادي بعضها البعض باسم المقدس، ويسعى بعضها لفرض هذا المقدس على بعضها الاخر، تجاوزا على خصوصية الثقافات داخل المقدس الاسلامي نفسه، لندخل في جدل طويل، استخدمت فيه كل وسائل التقنية الحديثة كأدوات للتبشير او تسفيه الاخر والانتصار للذات او الجماعة، على حساب ذوات وجماعات اخرى، داخل الامة التي وجدت نفسها تنقسم كل يوم وتتشظى وتتباعد تحت عنوان الانتصار للمقدسات المتنابذة.

اكثر من نصف قرن مرت على ما اسمته الشعوب والانظمة معا، التحرر من حقبة الاستعمار المباشر، ونحن نغرق في خلافات متوالدة، والسبب اختلاف الرؤيا في حل المشاكل التي تمثل هما مشتركا للمسلمين. فبدلا من ان يجد المعنيون وسيلة لتوحيد الجهود من اجل الحل، وجدوا وسائل متعددة لاختلافهم في كيفية الحل ومن ثم دخولهم في حروب مستمرة، استنزفت طاقاتهم جميعا، من دون ان يتقدموا بشكل عملي خطوة واحدة باتجاه التعاون لحل مشاكلهم، ومنها وفي مقدمتها، على سبيل المثال، قضية فلسطين، التي تحولت الى وسيلة للفرقة بدلا من ان تكون وسيلة للوحدة. وانشغلوا في صراعاتهم البينية التي صبت في خدمة اسرائيل ومن يقف خلفها، واضعفت القضية الفلسطينية، بل ادخلتها في متاهات يصعب عليها الخروج منها، لانها باتت في ذمة التطرف الديني او الجهل المقدس الذي يحرص البعض على رعايته، وتسخير قدرات الدول ومقدرات الشعوب لادامته كما نرى اليوم ما يحصل في الكثير من البلدان العربية والاسلامية، التي يقاتل ابناؤها بعضهم البعض باسم المقدس ومحاولة فرضة على الاخرين بقوة السلاح.

اغلب الدول المؤثرة اليوم في المشهد السياسي الاسلامي والاقليمي، متورطة في هذه اللعبة او كانت وراء تفجّرها بهذا الشكل المرعب، وهذه الدول يتهم بعضها البعض ويعمل بعضها ضد البعض، ومنذ عقود، من دون ان يقف القائمون عليها مع انفسهم ويبحثوا عن صيغة للتوحد باستثمار المشتركات الكثيرة التي تجمع الشعوب. فكل نظام يعتقد انه يمتلك الطريقة المثلى وعلى الاخرين ان يسلموا له او يدوروا في فلكه، وهكذا صار تقديس الجهل ممارسة سياسية يومية جندت لها ميديا وفضائيات ومثقفون وكذلك سخر لها المال وادوات التأثير الاخرى المختلفة.

قمة الرياض التي جمعت اميركا بالدول العربية والاسلامية، لتشكيل حلف عسكري، والتي ينتقدها البعض مقدما ويمتدحها البعض الاخر، هي نتاج طبيعي لازمات متوالدة اسهمت في صناعتها معظم الدول المؤثرة في المشهد الاقليمي اليوم، وان الانظمة التي فشلت في التفاهم فيما بينها وزجت الشعوب في مهالك الحروب والازمات التي استنزفت خيراتها، تتحمل جميعها ما الت اليه الامور.. وعليها ان تقر بهذه الحقيقة، لانها حقيقة وتدفع اثمانها الناس التي مازالت تعيش وسط هذه الحرائق المقدسة!