عن نتنياهو وتحرير القدس في العام 1967!

صرح رئيس الوزراء الاسرائيلي، نتنياهو، قبل ايام، ان القدس لم يتم احتلالها في العام 1967 بل تحررت! وقد جاء قوله هذا في اطار الحديث عن نقل السفارة الاميركية الى القدس، والجدل الواسع بهذا الامر الذي سيقضي على اية فرصة للسلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ولعل تراجع الرئيس الاميركي ترامب عن هذه الفكرة التي اتت في اطار حملته الانتخابية لاستمالة اللوبي اليهودي هناك، جاء لاصطدامه بواقع دولي رافض لذلك.

لقد تسنى لي ان اطلع، بشكل شبه تفصيلي، على الارهاصات التي سبقت اندلاع حرب حزيران العام 1967 من خلال كتابين، الاول عربي، بعنوان "الحرب العربية الاسرائيلية" والثاني اسرائيلي بعنوان "الحرب الاسرائيلية العربية" او هكذا تمت ترجمة العنوان عن العبرية. وكان ذلك قبل سبعة عشر عاما، حيث كتبت روايتي "حزيران الجهات الاربع" التي صدرت في العام 2001. غير كاف القول، ان الكتابين يمثلان وجهتي نظر مختلفتين لحدث واحد، لان المعلومات الواردة فيهما تعود بعيدا الى مرجعية الخلاف العميقة، ثقافيا وسياسيا وحتى عسكريا، وان تقسيم فلسطين في العام 1947 ومن ثم قيام ما يعرف بدولة اسرائيل بعد عام، لم يكن نهاية مشكلة، او خلاف بين عرب فلسطين ويهودها، بل بداية لمرحلة مفتوحة من صراع لا احد يعرف الى اين سيمضي بالعرب واليهود معا. لان الخلاف الثقافي بين الطرفين مهما كان كبيرا، لا يلغي حقيقة كونهما، اسهما معا في بناء حضارة هذه المنطقة المثقلة بالكنوز الثقافية التي يتنازعها الطرفان في مفاصل معينة، والتي انتهت بهما الى هذا العداء المدمر، عداء ناتج عن قراءة دوغمائية للتاريخ - الديني منه تحديدا - وهو ما يعانيه اليوم المسلمون انفسهم، كما اليهود، مثلما عاناه المسيحيون في اوربا من قبل. ولكن الاخيرين تخلصوا منه وتحرروا فوجدوا انفسهم اقرب الى الله والى قيم الدين بعيدا عن القراءات المتكلسة للنص الديني، الذي ينبغي ان يبقى في ذمة العقل، لا ان يبقى العقل في ذمته على وفق ما نراه اليوم من اعمال التكفير والارهاب الذي لا يمارسه بعض المسلمين فقط، بل واليهود ايضا، ومنهم نتنياهو ورهطه بالتأكيد.

في عودة الى الكتابين اللذين اشرنا اليهما، اقول، لقد تيقنت ان اسباب حرب العام 1967 المعروفة في ادبيات العرب بنكسة حزيران، لم تكن وليدة ازمة تصاعدت بطريقة دراماتيكية، بدءا من الفظائع التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي في قرية السمّوع الفلسطينية على خلفية عملية فدائية انطلقت منها، في ذلك الوقت، ومن ثم رد الفدائيين الفلسطينيين، على اسرائيل من جبهة سوريا، وتهديد رئيس الوزراء الاسرائيلي ليفي اشكول بمهاجمة سوريا واسقاط النظام فيها، والذي دفع بالرئيس عبدالناصر الى الرد عليه في كلمة القاها باتحاد نقابات العمال في مصر يوم 24 مايس من ذلك العام، بانه لن يسكت في حال مهاجمة سوريا، وقوله بالنص "في حال هاجمت اسرائيل سوريا فسيكون هدفنا هذه المرة مهاجمتها وتدميرها" والتي استثمرتها اسرائيل ونوعت عليها كثيرا، حتى كرست في اذهان الجميع بما فيهم العرب انفسهم مقولة زائفة، وهي "سنلقي باسرائيل في البحر!" وفي الحقيقة ان الرجل لم يقلها ابدا، وهي غير موجودة في ارشيف خطاباته، بل هي من عنديات الخطاب الدعائي الاسرائيلي لا غير. وان الحرب تلك جاءت في سياق مخطط مرسوم قبل سنين بعيدة وفقا لرؤية دينية مريضة، تتجلى بطروحات نتنياهو اليوم، بشكل لا يقبل اللبس والتأويل.

لقد كان هدف اليمين الاسرائيلي الذي هيمن على المشهد السياسي، منذ قيام اسرائيل في العام 1948 هو ضم الجزء الشرقي من القدس، حيث حائط البراق، الذي يمثل عند المسلمين ركنا اساسيا من قصة الاسراء والمعراج، فيما يرى اليهود انه حائط المبكى، وهو عندهم جزء من هيكل سليمان المزعوم، يفدون اليه للزيارة وتأدية مراسم دينية، مع انه، كما تذكر المصادر، لم يرد ذكره من قريب او بعيد في الموسوعة اليهودية عام 1901 وقد دحضت اللجنة الدولية المتفرعة عن عصبة الامم المرسلة للاراضي الفلسطينية في العام 1929 هذه المزاعم بعد "ثورة البراق" التي قام بها عرب فلسطين بعد استفزازات المتطرفين اليهود، التي مهدت للصدامات والخلاف الذي انتهى بالتقسيم لاحقا.

الشيء المهم ذكره هو ان المسلمين واليهود ظلوا يمارسون طقوسهم الدينية طيلة القرون الطويلة الماضية بسلام، قبل ان تدخل السياسة ولعبة الاستحواذ على الخط وتخلق المشاكل التي ادخلتهما معا في دوامة من صراع مفتوح، صار يقلق العالم مع تطور صناعة السلاح والنزعة الى التطرف وايقاظ الكامن من الخلافات الدينية... نتنياهو ومن معه من المتطرفين، ممن لا يؤمنون بلغة السلام الا ّ على حساب الاخر ومقدساته، النموذج لذلك، اذ بدلا من ايجاد مقاربات تضمن العيش بسلام بين المسلمين واليهود، يبحث المتطرف وينقب في التاريخ والكتب الدينية عن مبررات ليجد من يختلف معه، لانه محكوم بنزعة تدميرية تجعله مستعدا دائما للقتل والتدمير، لاسباب دينية او غيرها.. اليمين الاسرائيلي الذي لا يعترف بحق العودة لمن هجرهم من ديارهم قبل نحو سبعين عاما، لا ننتظر منه نزوعا للسلام، بل ننتظر من العالم موقفا حقيقيا منه، وهو ما لا يحصل للاسف!