فسادٌ من المُنتج إلى المُستهلك

أعتبر أن شهر رمضان المعظم فرصة لنُعدّل موقفنا الوجودي كمجتمع مسلم. لذا، مع التهافت (الذي يتزامن مع هذا الشهر والذي أصبح وكأنه طبيعي)، التهافت على اقتناء المملحات والمرطبات والمبردات والمسخنات وسائر المواد الاستهلاكية، ياحبذا لو نلتفت قليلا إلى حالة التربية العامة والتواصل الاجتماعي بخصوص مسائل مثل "كيف نبقى عربا؟" و"كيف نبقى مسلمين ثقافيا فنستردّ حقوقنا المغتصبة ونُعيد الارتقاء في سُلّم الحضارة؟" و"كيف نحوّل العارَ إلى مجد والهزائمَ إلى انتصارات بصفتنا منتمين إلى ثقافة يشاركنا فيها عن طواعية الآسيويون والأفارقة والأوروبيون وحتى الأميركيون حَبَّ من حَبَّ وكرِه من كرِه وشعوب العالم بأسره، دون أدنى شك؟"

يبدو أن مثل هذه المراجعة السلوكية والحضارية العامة تصطدم بعراقيل جمّة أخطرها أن لا يصدّق المواطن أن هناك صلة بين ما يُبث من برامج ومنوعات تلفزية في الشهر الكريم (وفي سائر الأشهر) من مادة هي الأخرى استهلاكية، بينها وبين التربية من جهة، وبين التربوي والسياسي من جهة ثانية، ناهيك أن يؤمن المواطن بأنّ هذه الصلة وثيقةٌ وعضويةٌ وخطيرةٌ.

ويتجلى هذا الجهل بالصلة بين الترفيهي والتربوي والسياسي في موقف الكثير من المواطنين من مشكلة الفساد. ولعلّ الحملة التي أعلن عنها مؤخرا رئيس الحكومة يوسف الشاهد ضد الفساد تكون فرصةً لتبيان هذه الصلة والمخاطر التي قد تنجرّ عن عدم إيلائها الأهمية اللازمة. فلا بأس أن يصطفّ الناس إلى جانب يوسف الشاهد في ثبات عزمه على مقاومة الفساد والفاسدين، لكن ألا يحُقّ للمجتمع أن يدرك في الحين ذاته أصلَ الفساد ويتعرف على مُنتجِه حتى يحرز على الاستطاعة على الانتصار على الفساد والفاسدين وبشكل مستدام؟

حين تلاحظ من جهة أن الدولة تسخّر عبر الحكومة جهازا أمنيا وإداريا وقضائيا ضخما مثلما فعله الشاهد للضرب على أيدي المتنفذين، ولكنك تلاحظ من جهة أخرى أنّ السلطة الإعلامية لا تزال تُسخّر كبريات القنوات التلفزية لبَثِّ مضامين رشاشة للفساد وذلك عبر بعض منوعات الألعاب المالية (وفي شهر العبادة والصيام!)، كن واثقا أنّ الدولة بمفردها لن تفلح في تطهير المناخ العمومي، لا لشيء سوى لأن ماكينة الفساد الأصلية كانت وما تزال تشتغل، وعلى مدار الساعة، لتُنتج فسادا جديدا وفاسدين جُددا سيكونون في القريب العاجل في موعدٍ مع الفساد العمومي، مستهلّين دورةً جديدة من دَوراته، في مجالات التربية والتعليم والاقتصاد والسياسة.

المشكلة أنّ الكثير من الناس لا يدركون وُجودَ هذه الدورة الفاسدة التي تبدأ بالترفيه والترويح عن النفس وتنتهي إلى إعادة إنتاج الفساد وعدم استطاعة مكافحته حين يستشري في كلّ دواليب الحياة العمومية، والتي تمرّ عبرَ إشباع نفرٍ قليل من السذَّج بمبالغ مالية طائلة بعد إثارة غريزة حبِّ المال حُبا جَمًّا لديهم واستغلال حالات العوز الاجتماعي من بينهم.

بل إنّ كثيرا من الناس على الرغم من اقتناعهم بأنّ العبادة في الإسلام كلها للمتعبّدِ ما عدا الصيام فهو لله (تقبَّل الله صيام الجميع) إلا أنهم ليسوا مقتنعين بأنّ الصيامَ عن مشاهدة برامج القمار المقنَّع سيُسهّل صيامَهم عن الطمع والنهم والجشع و"اللقمة الباردة" وبالتالي سيَمنع ُ قتل الشعور بالحاجة للعمل فيهم واغتيال روح المبادرة لديهم وبالتالي سيجعل منهم دُروعا واقية من الانجذاب إلى الفساد بكل أصنافه، لا سيما أنّ في شهر الصيام يكون الانجذاب إلى الله وحده.