مصر: أزمة الصحافة الثقافية وقواعد العمل العام

علينا أن نبدأ بضبط بنية الصحافة الثقافية

لا يرتبط قطاع في العمل الصحفي بالعمل العام بقدر القسم الثقافي في المنصات الإعلامية الآن، سواء الإلكترونية أو الورقية أو المسموعة او المرئية؛ وذلك بسبب وجود مفهوم مستقر عليه أن المثقف هو شخص فاعل حاضر في المعترك دائما، وظهرت الأزمة في بنية طبقة الصحافة الثقافية منذ تسعينيات القرن الماضي، حين ضرب الوضع الاقتصادي حياة المصريين، وتحت ضغط الواقع ومحاولة كل إنسان مصري النجاة من مفرمة الواقع الأليم والبحث عن فرص للعمل، لجأ بعض المبدعين الكتاب لتوظيف مواهبهم في مجال الصحافة والصحافة الثقافية خصوصا.

• مشاهد وقراءات مقلقة:

كثيرا ما تعرض بعضنا حديثا أو قديما لمواقف، أحرجه فيها المجاهرة بكشف غياب مهنية صديق أو زميل ما! بسبب بعض الممارسات مثل: حوار مبتور - تحقيق مفتعل يفتقد للمهنية ولم يكن تحقيق أصلا إنما دردشة جانبية بصفة شخصية - أو عنوان لا يعبر عن سياق خبر ما - أو حذف عنوان داخلي دون استئذان - أو تقديم عمل أو كتاب ما خارج سياقه.

المقلق قيام بعض المجلات الثقافية بدور "حراس البوابة" لنحت نمط أدبي بعينه وإعطائه سماته وغلق الباب أمام نمط آخر أو أمام تجليات أخرى للنمط نفسه، لأن وصل الأمر أن إحدى المجلات تمنع نشر الدراسات النقدية المرسلة لها عن عمل أدبي ما، لشعور حراسها (محرريها) أن ظهور صاحبه قد يمثل خطرا على مكانتهم الأدبية المستقر عليها ومشروعهم الشخصي.

والمقلق أكثر الدور المباشر لبعض المحررين الثقافيين، في تقديم صورة عمل ما أو مؤسسة ما أو شخص ما بشكل غير موضوعي سواء مع أو ضد.

• سيكولوجية التعالي والقهر:

ومنبع الأزمة في تقديري الشخصي، هو المصفاة أو المفرزة التي تم بها اختيار وتشكيل أفراد الطبقة الصحفية في مصر منذ التسعينيات، فهي كانت المجال الصحفي الوحيد تقريبا (بجانب الصحافة الحزبية أو المستقلة) الذى كان مفتوحا أمام الوافدين من مبدعي الأقاليم لقاهرة المعز دون اتصالات اجتماعية قوية، واعتمادا على مواهب فردية بحتة، ليتداخل بعد ذلك الإبداعي مع الشخصي مع المهني، والأزمة التاريخية في طبقة الصحافة الثقافية ترجع لاعتمادها الأساسي على مبدعين، يملكون شعورا مسبقا بالتعالي والفرادة من جانب في ظل حضور واقع التهميش والقهر الاجتماعي من جانب آخر، وهي أسوأ المعادلات السيكولوجية التي يمكن أن توظف لخلق النمط الأدبي، وتوظيف هذه المعادلة وتوجيه أفردها لمن يفهم بنية القهر والتعالي، ويستطيع أن يكيف ويجمل ما يفعله باسم البطولة أو ما شابهها.

ولكن ذلك لا يمنع ان المشهد يضم حقيقة من المحررين من يحكمه لحد بعيد منظومة قيم ومشروع مهني وأخلاقي؛ يحافظ على وجوده باختيارات فردية بحتة تقف ضد السمات التاريخية للنمط السائد منذ التسعينيات. إنما اكتب هذا المقال فقط لإلقاء الضوء على هذه المنطقة ومحاولة إصلاحها عبر كشف بنيتها.

• ظهور طبقة بسمات واضحة:

من هنا نشأت أزمة مفهوم ودور "طبقة" الصحافة الثقافية في مصر، واستخدم مفهوم "طبقة" عن وعي لأن معظم من دخلوها جمعتهم سمات اجتماعية واقتصادية وتاريخية واحدة (أو بالمعني الماركسي الأوضح: ظروف إنتاج واحدة). الأزمة نشأت على مستوى المفاهيم والدور تحديدا؛ حين تداخلت مفاهيم الإبداع مع الثقافة مع المعرفة مع السياسية، مع التخصص الأكاديمي، مع الدور المهني أو الوظيفي أحيانا، والأكثر خطورة تداخل الذاتي والشخصي مع الجماعي والمعياري المهني.

• المبدع وتداخل المفاهيم والحدود الفاصلة:

فالمبدع شخص يملك الموهبة للتعبير باللغة عن الوجود الإنساني في أشكال شعرية أو سردية أو مسرحية. والمعرفة هي مستوى التحصيل والفهم والدرس لمختلف جوانب الظاهرة الإنسانية خاصة في مجال الدراسات الإنسانية بمختلف تمثلاتها وقدرة الفرد على تقديم تلك المعرفة في نماذج وأشكال متداخلة يمكن الاختيار بينها والمقارنة وضرب الأمثال.

والمتخصص الأكاديمي لا يسمي معرفيا أو لا يعد عارفا إلا إذا ربط بين تخصصه كأحد تمثلات الظاهرة الإنسانية وبين مجمل تمثلاتها الأخرى واستطاع فهم دوره الوظيفي في سياق الظاهرة ككل، ولم ينغلق على وجود منعزل أصم في ذاته.

والثقافة ربما هي ذلك المجمل المحرك لعقلية الشعوب والذي يكون دائما في حالة تغير ما بين موروث قديم، وما بين مكتسب جديد تسعي به الأمم لتطوير وبناء وتزكية العقلية الجمعية لشعوبها، وبالتالي المثقف يكون هو ذلك الشخص المدرك للتراكم الموروث المجمل لدى شعب ما، ومدي حضور أو غياب ذلك الموروث، كرها او طوعا. وعلى الجانب الآخر يكون مدركا لأشكال وتصورات المكتسب الجديد الممكن من خلاله تطوير وتغيير واقع الموروث الثقافي لأمته ومستقبلها، فلا بد أن يملك مخزونا معرفيا، ويملك رؤية مستقبلية تقوم على بدائل حالمة للتغيير والغد.

أما السياسة فهي العمل في آليات محددة ومسماة لصنع القرار أو تغييره، سواء على المستوى الفكري أو التنظيمي أو الحركي مع وضوح العلاقة بين المستويات الثلاثة للوجود السياسي، فانفصال المستويات الثلاثة عن بعضهم البعض يدخل كل مستوى في طور الآمال والأحلام.

• أزمة التعميم وغياب العالم المركز:

وأزمة "طبقة الصحافة الثقافية" في مصر هي التعميم، واعتبار كل مبدع هو مثقف يحمل مسئولية الوعي بتراكم الماضي وبدائل المستقبل، واعتباره عارفا ملما بنواحي الظاهرة الإنسانية وتداخل العلوم وعلاقتها بعضها البعض دينيا وفلسفيا ولغويا وتاريخيا واجتماعيا، وكذلك اعتبار المبدع سياسيا مدركا لآليات العمل السياسي يخبر الأيديولوجيات ويفهم في الأشكال التنظيمية ويجيد قراءة أشكال الحراك الجماهيري!

وفي واقع الأمر هذا الخلط أصاب الصحافة الثقافية المصرية بأزمة مهنية شديدة السوء والاستفحال؛ لا تدرك القواعد المهنية الحاكمة لدورها، وأصبح الجميع يخلط في المطلوب منها وأحيانا كثيرة يزايد عليها، من هنا انتقلت هي بالتبعية لفكرة المزايدة والتزيد وادعاء البطولة أحيانا باسم المعرفة أو السياسة أو الثقافة، وربما باسم الإبداع الذى هو الجزيرة الأقرب لهم. وربما ذلك أخذ صورته الأبرز بعد اختفاء جيل العلماء الموسوعيين من الرواد، وغلق الطريق أمام الباحثين النابهين في الأكاديمية المصرية وتحويلها لمجرد بنية وظيفية تابعة تفكك الظاهرة الإنسانية لوحدات منفصلة غير متصلة بعضها البعض، على عكس المفترض منها.

• بحثا عن المهنية وقواعد العمل العام:

حضور التناقضات والقهر

المشكلة أن المشهد العام في مصر ملتبس بشدة ويعاني من التناقضات الكامنة، بحيث إنك كلما وضعت قسما ما تحت شريحة البحث وحاولت تفكيك أبنيته لوحداتها الأصغر، ستصاب بالعجز أو الرغبة في إعادة بناء المعادلة بالكامل من جديد.

الأزمة أن بنية المجتمع تستحضر فكرة التأكيد على الصراع الفردي والتضييق على الجميع، بحيث إن المعظم يعتقد في اضطهاده وأنه لا يأخذ ما يستحق من مكانة في المجتمع، لذا تجده دائما في حالة سخط على الجميع، وينتظر اللحظة التي يفرغ فيها طلقاته في أقرب فرصة ليثبت ما يملك من مواهب خنقها الظرف التاريخي للبلاد، أو أن فرصه في الحياة ذهبت لمن هم أقل..!

لكن في محاولة لمعيرة هذا الأمر ووضعه في إطاره الصحيح، سنقول إنه لا بد من وضوح مفاهيم العمل العام بوصف الصحافة أحد منابر الوجود العام للمجتمع ككل. العمل العام لا يقوم على المزايدة والقاعدة الصحفية الشهيرة: "الرجل الذى عض الكلب"، وليس على المحرر أن يثبت أنه ذلك البطل الذي يزايد على من يقوم بتغطية أخبارهم، وليس عليه أن يستغل علاقته الشخصية في الوصول لمعلومات دون أن يوضح بشكل قاطع أنه ستكون للاستخدام العام وليس للاستخدام الشخصي.

• قاعدة تحقق الحلم خارج مشروعك:

على المحرر الثقافي أن يثبت دائما عكس ما يعتقد، إذا كان يؤمن بنمط ما لقصيدة النثر مثلا، عليه أن يفرد المجال لأنماط أخرى، ولا يفرض اختياراته الشخصية على الصحافة بوصفها منبرا مفتوحا للجماعة المصرية، إذا حصل على خبر ما من صديق باعتباره مبدعا وزميلا عليه ألا يخرجه من سياقه من خلال عنوان يصنع فرقعة "الرجل الذي عض الكلب"، وإذا كانت المساحة تتطلب اختصار تحقيق أو حوار، فلا ينبغي له يحذف فقرة ما ويترك عنوانا لها دون سياقه الدال، أو يقوم بالعكس يحذف عنوانا فرعيا وضعه الكاتب دون استئذان، والأزمة تبرز أكثر وأكثر في المجلات الثقافية التي أصبح بعض روادها منتفعون من الدور الذي يقومون به في المشهد يحصدون الجوائز، ويمنعون المنبر الذي يسيطرون عليه عمن قد يرونه تهديدا لنفوذهم ووجودهم.

هناك قاعدة مهمة اختبرتها كثيرا ولا يقدر عليها سوى أصحاب الهمم والفضيلة الحقة، ألا وهي أن تسمح بوجود الحلم خارج منظومة قيمك وخارج إطار عقيدتك أو أيديولوجيتك، كل من يأمم الحلم ويطالبك بالمرور الضيق من خلال عالمه لا تعلق عليه الآمال.. كل من يجعل دافعه الشخصي وأزمة وجوده التاريخي كمبرر لما يفعل فلا تعلق الآمال عليه.

• خطاب الاستهلاك المحلي وافتعال المعارك

المشهد يفرز ناسه، حيث الوعي والمتابعة أصبحت لحظية، وتكرار المواقف أصبح كاشفا، ادعاء البطولة منبعه فكرة بسيطة للغاية أرى في كشفها أمرا مهما أمام الناس، ادعاء البطولة منبعه إيهام الناس بأن العالم يتغير من تلقاء نفسه من خلال عنوان براق، ادعاء البطولة مكمنه الكشف التدريجي عن الحقائق وإيهام الناس بكلية وعمومية ما قد ينقله محرر ثقافي يظن في ذلك أم المعارك، ويجتمع حوله شلة مصالح تتبادل منافع الوجود فيما بينهم، وبالطبع يتعاملون مع ذلك بوصفه من فرضيات الحياة والواقع، وفي اللحظة نفسها يطلقون الصوت عاليا للغناء باسم الحلم والتقدم والعمل العام.

• خاتمة: ضبط المفاهيم والدور

لا بد من تعريف واضح لدور الصحافة الثقافية، التي أصبحت تستخدم لتدشين الأنماط الإبداعية وغلق الهويس أمام أنماط أخرى، وأصبحت تستخدم من جانب البعض كمنصات للرد والردع، وأصبحت كذلك تعبر عن أزمة البعض الفردية نتيجة شعوره بالقهر وبحثه عن دور البطل يزايد حين يجب أن تحضر المهنية، ويدعمه البعض لأن آليات الوجود الإعلامي تتطلب العلاقات وغض الطرف أحيانا.

علينا أن نبدأ بضبط بنية الصحافة الثقافية، ونضع الحدود الفاصلة المُعرفة لدورها وعلاقتها بكل من: الإبداع – الثقافة - المعرفة – السياسة، فليس على كل محرر ثقافي أن يملك شروط ومهارات: الإبداع والثقافة والمعرفة والسياسية، وإلا كان "إنسانا فارقا" يجوز أن نضعه على رأس القبيلة وألا نتردد، لكن على كل محرر ثقافي أن يكون مهنيا، يراعي أبسط قواعد المهنة الضائعة، يكفيه أن يقوم بدوره المهني والكفاءة والتميز سيكونان للأكثر اجتهادا، والأكثر سعيا وإخلاصا.