الخيال بين رامز وألف ليلة وليلة

تتويج الهزيمة لمن ينادون بالتفكيك وما بعد الحداثة

دائما ما تحن الشعوب إلى الحلم إلى الأسطورة بحثا عن بطل فارق ينتصر لأحلامها من قبضة الواقع الأليم الذين لا يملكون القدرة على مواجهته، وإذا عدنا للتراث المروي في كل آداب الشعوب، سوف نجد أن الرواة يضيفون على أبطالهم صفات أسطورية وعجائبية على مر الزمن وعبر طبقات متعددة من الحكي والإضافة والحلم.

حينما بحثت عن مبرر لالتصاق الناس بالبرنامج السنوي في رمضان للمنولوجست والمهرج صانع المقالب: رامز جلال؛ أخذت أفتش في ذاكرتي عما كان يشغل عقلي وروحي في تلك الفترة صغيرا، فتذكرت "عمو فؤاد"، وتذكرت "بوجي وطمطم"، وتذكرت "ألف ليلة وليلة"، و"فطوطة"، وبحثت عن القاسم المشترك فيما بينهم جميعا، فوجدت أنهم يخاطبون الخيال والبحث عن الأمثولة والبطولة كل بطريقته الخاصة.

واكتشفت أن مصر لم تعد تحلم، سوى برامز جلال سنويا في رمضان، اكتشفت الغياب التام لأعمال تمثيلية تقدم الخيال والأسطورة والحلم للناس؛ من هنا لم يجد الناس سوى رامز جلال ليقدم لهم الخيال المصطنع مرة في البحر، ومرة تحت الأرض، ومرة في السماء!

الحقيقة أن الخبرة الواقعية علمتني أن أفهم الناس قبل أن أوجه لهم الانتقاد، لأن الناس عادة ما يجدون حيلة ما للبقاء والحياة تحت أي ظرف، لذا لم أسارع لنقد الشعب المصري واهتمامه برامز جلال، ومنهم أنا أيضا، وحاولت الفهم والدراسة، لأكتشف أن المشكلة ليست في حضور رامز صانع المقالب والمهرج والمنولوجست، إنما في غياب البديل الذي يخاطب الخيال والأمثولة عند الناس والبطولة، فما كان من رامز وصناع البرنامج إلا أن التقطوا طرف الخيط وقدموا للناس الخيال في صورة ساخرة مفرغة من البطولة والأمثولة، في صورة الشخص المهرج الذى يسخر من نفسه وممن حوله، صورة الشخص المهرج الذى ليس ذنبه أن الله خلقه هكذا، ولكن الذنب في رقبة أولي الأمر الذين غابوا وغيبوا من يفهموا، ووضعوا ذلك المهرج صانع المقالب في مقام سيف بن ذي يزن والشاطر حسن وعلي الزيبق وأبوزيد الهلالي وفاطمة تعلبه.

الحقيقة أن رامز لا لوم عليه ولكن اللوم على من تسببوا في تشوه منظومة قيم المجتمع وبنية التراتب والقيم فيه، ليعطوننا في كل مجال عام شخصا ساخرا لا يبالي بشيء، ويجهر بضعفه وخيباته وسوأته لا لشيء سوى ان مكانه لم يكن هنا، لا في الفن ولا في الأدب ولا في السياسية ولا في الفكر.

الخيال هو المحرك الأول والأساسي لتقدم الشعوب، الأمل هو أحد تمثلات الخيال، أو فليكن الخيال هو أحد تمثلات الأمل. الخيال هو الذي جعل الناس تتعلق بالبطل في حكايات "ألف ليلة وليلة" وتترقب كل يوم الجديد وتتابعه، الخيال هو الذى جعل الناس تتعلق بـ "بوجي وطمطم" والقيم والأخلاق التي يؤكدون عليها، هو الذى جعلهم يترقبون حكايات أبوزيد الهلالي سلامة رغم ضعف الإنتاج وإخراج العمل للنور ككل.

كم هو رائع حكاية البطل القرطاجني العربي الفينيقي اللبناني التونسي هانيبال، الذي غزا أوروبا وزرع الرعب في أرجاء الامبراطورية الرومانية، كم رائعة هي حكاية القديسة المصرية "فيرينا" التي استقرت في سويسرا بعد حملة عسكرية وعلمت الناس ما لم يعلموه هناك وصارت منارة، كم من الحكايات الرائعة ارتدت للوراء حينما قطع الطريق على الخيال المصري والعربي لصالح "سلاحف النينجا" و"عالم سمسم" وغيرهم! قبل أن ينقطع الخيال تماما.

الهوية لا تتشكل عبر مقالات نخبوية يقرأها البعض ويفخر بها البعض، الهوية أصبحت تتأثر بالمنبر الجماعي الأول في الوجود البشري الحالي، وهو الإعلام المرئي، عن طريق الفن والأفلام والمسلسلات والبرامج والرسوم المتحركة، أصبح العقل البشري يستقبل في الوعي واللاوعي عبر تلك الشاشة السحرية المسماة عن حق "صندوق الدنيا"، وعلينا أن نغزو الخيال ونعد الروح البشرية العربية والمصرية للمواجهة الحضارية القائمة بشدة، قبل أن نطالبهم بقيم الانتماء والوفاء والإخلاص والاستقامة والعمل بجد والعمل بعبقرية والخروج بالبلاد والأمة من النفق الضيق! علينا أن نمدهم ببعض الخيال.

لم يعد الفن كمالية، الفن وشاشة "صندوق الدنيا" أصبحا العنصر الاول المشكل للهوية الإنسانية الآن، والأزمة عندنا هي الفصل بين أجزاء الجسد الواحد، أو تغييب ما يصح منها أن يصبح على رأس القبيلة، وتترك المنابر لمن لا يعرف ثقل الجماعة ويحركه دافع شخصي يجعل العمل العام وكأنه الهوى، وكأنه امرأة جميلة عليها التنافس بين صغار الحي، وليس هو رأس الجبل الذي يتطلب كل المواهب وكل الجدية ولا يستحقه إلا من صعد وواجه كل الصعاب وامتلك مهارات البقاء من أجل الجماعة.

الفصل بين أجزاء الجسد الواحد، يعني أن الثقافة والمعرفة والفلسفة التي مفترض أن تضع الأطر الكلية لوجود جماعة ما وسبل تحققها وانتصارها، تضع كلاما مائعا لا يفهم ولا يأخذ شكلا واضحا، وإن قيل على استحياء لا يتم التمسك به ولا الدفاع عنه، تحت شعار: "خليك جنب الحيط"، الأزمة أن العمل العام في مصر أصبح وسيلة للصعود الشخصي، وتحولت مهارات العمل من أجل القبيلة والجماعة إلا مهارات "الساركيزم" والسخرية والمجاهرة بالفسوق وجوانب الضعف الإنساني تحت اسم الحرية والواقعية وكسر السرديات الكبري والتعبير التلقائي عن الذات!

رامز جلال ليس إلا إعلان فشل القوى الناعمة المصرية؛ على مستوى الثقافة والفن والفكر والفلسفة والسياسة، رامز جلال ليس إلا الرد على ضعف أطروحات الأكاديمية المصرية في نظريات الدراما ونظريات الفن ونظريات الأدب الشعبي، وعلى أفضل تقدير الدليل على غيابهم البين وفهم أن المشكلة عندهم أصلا.

رامز جلال هو الاعتذار الذى يجب ان نقدمه لروح رحمي مخرج "بوجي وطمطم"، رامز جلال هو التفكيك لخطاب الخيال القديم، لمن يهتمون بالخطاب وأشكاله الفنية، رامز جلال هو شكل الأسطورة فيما بعد الحداثة وتفكك القيم، رامز جلال هو كسر تابو "الجدار الخامس" في المسرح، رامز جلال ذلك المهرج الجميل صانع المقالب المبتكر هو تتويج الهزيمة لمن ينادون بالتفكيك وما بعد الحداثة، رامز جلال هو الخيال الشخصي لإنسان بسيط يملك قدرات محدودة في أفق الجماعة، لكنها سعي للصعود الشخصي بأي مؤهلات كانت. رامز جلال هو مصر الآفلة، فأين مصر الخيال، أين مصر الحالمة يا أهل البلاد؟