درس ديني لوسائل الإعلام

عندما يقدم رئيس أساقفة كانتربري القس جوستن ويلبي، درسا يمزج فيه الحس الإنساني والديني بتحمل المسؤولية عن الفظائع المرتكبة، فانه يقدم في الوقت نفسه درسا لوسائل الإعلام التي تنازلت عن خطابها لصالح الخطاب الديني بأي درجة كان، لأن التطرف والمغالاة نتاج الدين. إذ طالب ويلبي رجال الدين أن يواجهوا مبررات عقائدهم التي تنص على الفظائع المرتكبة باسمهم، في تعقيبه على الهجوم الإرهابي الذي ارتكبه ثلاثة من المتطرفين الإسلاميين على جسر لندن هذا الأسبوع.

وقال “إن عدم الاعتراف بالدور الذي يلعبه الإسلام في مثل هذه الهجمات هو أقرب إلى عدم قبول دور المسيحية في مذبحة سريبرينيتسا”. في اعتراف فذ من قس بوجود جانب مظلم في المسيحية.

مذكرا هنا بالفظائع التي ارتكبها الجيش الصربي بحق ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة خلال الحرب الأهلية بعد تفكك يوغوسلافيا عام 1995.

لم يكن يتحدث هذا القس بوصفه حارسا مخولا باسم الله في الأرض كما فعل الخميني وابن لادن ويفعل القرضاوي والسيستاني والبغدادي والعريفي وآل الشيخ اليوم، بل انه طالب بتحمل مسؤولية مواجهة ما يمس التقليد الإيماني، إذ لا ينبغي للسياسيين ورجال الدين الاكتفاء بجملة “هذا لا علاقة له بالإسلام”، لأنه لا يمكن تجاهل الأساس الأيديولوجي في ذلك. والكتب المقدسة ملتوية لدرجة يمكن توظيفها من قبل الأشرار بيسر، ويمكن تصور ذلك عندما يتخذ داعش والميليشيات الطائفية نفس النص القرآني للتقاتل فيما بينهما!

يعترف ويلبي بصعوبة التعامل مع هرم واحد في الإسلام، إذ يصعب الاتفاق على وجود هيكل قيادي واحد للمسلمين من اجل اللجوء إليه، فهناك دائما مجموعات خاصة. وهذا جزء من المشكلة عندما توزع المسؤولية بين أطرافها.

هذا الدرس الإنساني الفذ من أعلى رجل في كنيسة إنكلترا بعد أن قُتل سبعة أفراد أبرياء على وقع صيحات اتخذت من الله وسيلة لإراقة الدماء على جسر لندن، يثير المزيد من التساؤلات أمام الخطاب المنتج في وسائل الإعلام اليوم والمسوغ لأفكار دينية متطرفة.

من الواضح أن رجال الدين تجار كلام لا يدفعون ضريبة غير التظاهر بأنهم صوت الله على الأرض لكسب المزيد من الأتباع والأموال، واتخاذ النص الملتوي في الكتب المقدسة وسيلة للإقناع.

لكن لماذا تتخذ وسائل الإعلام اليوم منصة دينية عالية لترويج مثل هذا الخطاب الملتبس، إلى درجة انتقلت وظيفة المسجد إلى صحف وفضائيات بشكل خطير.

هناك جيل من الإعلاميين تلبسوا بهيئة رجال الدين، بوعي أو عن جهل، وخضعوا للخطاب السائد والناقل، فيما خصصت وسائل إعلام مساحة لتحويل مشهد التخلف الديني إلى حدث إخباري دائم، الأمر الذي أنتج جيلا متطرفا يعبّر عن نفسه وفق دينه أو مذهبه وليس لاعتبار وطني أو شخصي وثقافي متحضر.

لم يحدث على مر القرن الماضي أن منحت وسائل الإعلام مساحة مثلما تمنح للدين ورجال الدين اليوم، والحال أن خطورة ذلك تجسدت في جيل استسهل إراقة الدماء.

لم يكن ما يجري في المساجد في يوم ما خبرا ملفتا لوسائل الإعلام لتقوم بنقله في بث حي، أشبه بمباراة رياضية، كما يحدث اليوم. فهل صار الحدث يُصنع في المسجد، أكثر مما يصنعه رجال الدولة؟

كان الزعيم الأوحد مادة إخبارية معتادة يوميا، وصار رجل الدين المعادل المعاصر لزعيم الأمس.

لنتأمل بهدوء صورة العشرات من المايكروفونات التلفزيونية بعلاماتها المختلفة وهي تنصب في وقت مبكر أمام خطيب الجمعة، بوصفه مصدرا للحدث، مع إنه في واقع الأمر لا يقول أكثر مما قاله في الجمعة السابقة!

أي إغراء أخباري يقدمه هذا الخطيب لوسائل الإعلام غير الاعتراف بعجزها عن صناعة قصتها الخاصة بمحتوى متميز!

كان يُفرض عليها أخبار الزعيم الأوحد في قصة يومية تسد بها مساحة واسعة من بثها، بينما تتجه اليوم مباشرة إلى المساجد لنقل الهراء الطائفي وخطاب الكراهية لرجال الدين والدعاة وأئمة المساجد! وهذا لا يعني غير عجز وسائل الإعلام عن صناعة قصتها الخاصة.

المسجد تخلى على وظيفته منذ أن صار جزءا مؤثرا على بناء الدولة، ولم يكن في يوم ما الدين حلا للدولة، إن لم يكن معضلتها على مر التاريخ، وصار الإعلام شريكا في صناعة التطرف والكراهية عندما انساق للخطاب الديني بوصفه جزءا من مهمته الإخبارية، وليس ناقدا له ومفند التخلف الكامن فيه.

لا أتحدث هنا عن وسائل الإعلام التي اتخذت من الدين والطائفة خطابا وحيدا لمنتجها، من دون أن اُقلل من خطورتها، لكن الخطر يكمن في وسائل إعلام خصصت مساحات مخيفة للترويج الطائفي والديني، يظهر أثره اليوم في جيل يُعرّف نفسه بتطرفه أو بكراهيته للآخر.

عندما يطالب القس جوستن ويلبي مواجهة التطرف في إطار تقاليد التحضر وتعليم الناس لماذا هذا غير مقبول، كما يتعين على السلطات القيام بالمزيد من الجهود لفهم “المبادئ الأساسية للإيمان الذي تتعامل معه”. نجد في المقابل أن الغالبية العظمى من رجال الدين المسلمين يبرعون في الإيغال بتكفير الآخر والحث على قتله، والحال أن خطابهم سيكون محدودا إن لم تسهم وسائل الإعلام في الترويج له وتقديمه بطريقة الفرض المقدس.

علينا الاعتراف بأن الإعلام صار شريكا فاعلا في تفاقم محنتنا، عندما يمارس من دون تخويل اجتماعي دورا لم يرسم له.