من قانون 'الستين' الى قانون الفرز الطائفي

تمخّض الجبل فولد فأرا. واخيرا انجزنا قانون الفرز الطائفي. سياسة "باسيلية" خرقاء حارت ودارت للوصول الى قانون يٌرضي الطموح المناطقي والطائفي، عبر اقصاء المسيحيين المختلفين. الحقد الدفين لا يمكنه بناء وطن، والقراءة في "كتاب الإلغاء" المشؤؤم والعودة الى التاريخ الأسود لا يبني "مجتمعا مسيحيا" نظيفا ومستقرا. الغريب ان البعض يريد التفتيش عن المستقبل بين "قمامة" التاريخ ويتناسى ان التاريخ الأصيل في دنيا العروبة كتبه فارس الخوري وكبار الصحافيين سليم وبشارة تقلا ورجال الفقه واللغة العربية ابراهيم وناصيف اليازجي وبطرس البستاني والادباء جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومي زيادة وامين الريحاني ونسيب عريضة وشفيق المعلوف واخيرا امين معلوف، والبطريرك حويك والكاردينال صفير، هل تريدون المزيد، اين هم "زرازير" اليوم من "شواهين" ورجالات الأمس القريب والبعيد؟

ما كان العدد في يوم من الأيام خلاّق رجالات وقامات وطنية، انما الحقد الطائفي الأعمى هو الذي يؤدي الى الحضيض. في البحر الاسلامي والعربي كان عقلاء الأقلية المسيحية في الوطن العربي هم روّاد النهضة العربية في الصحافة والادب والشعر والسياسة والإقتصاد، فيما "الأغبياء" كانوا يستحضرون شياطين الفتن والحروب.

هل لكم ان تُزيلوا الأوهام من عقولكم، اوهامكم ومغامراتكم السياسية كانت دائما خرابا ودمارا، على لبنان وعلى "مجتمعكم" الضيق، يوم اطلقتم نظرية "المجتمع المسيحي" ولا زلتم حتى اليوم، اخترتم "الإنعزال" عن شركائكم في الوطن؟ احزموا امركم انتم مع "المجتمع،"، أم مع "الوطن"؟ ايهما "نهائي" الوطن ام المجتمع، وهل تريدون لبنان وطنا أم 18 "مجتمعا"؟

وهل لكم ان تُزيلوا من رؤوسكم "الصدئة" نظرية ان هزيمة الشريك الوطني والعربي هو انتصار لكم، وانتصاره هزيمة لكم، ونذكركم، ان هذه النظرية شكلت خريطة طريق لسياستكم المدمرة، اثر هزيمة العرب في حرب 1967، قام "الحلف الثلاثي" المشؤوم عام 1968، واثر تنامي الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة الشهيد كمال جنبلاط كانت الحرب الأهلية عام 1975، فاستغثتم بالنظام السوري لتأديب الحركة الوطنية، ثم خاصمتم السوري لتراهنوا على الإسرائيلي لتأديب الشريك الوطني والعربي. واليوم ربما تراهنون بعد فشل "الربيع العربي" على تقسيم الدول العربية الى دويلات وهو المشروع الأميركي - الإسرائيلي القديم الجديد، وقد يكون حقيقة وليس رهانا، لكنه حتما، لن يجلب الخير ولا المن والسلوى الى لبنان وخاصة الى "مجتمعكم"!

مهلا، مهلا، لا تستعجلوا الأمور فلبنان لا يُحكم الا بالشراكة بين كل مكوناته الطائفية والسياسية، واذا كنتم في عجلة من أمركم فقد لا تصلون ابدا الى حيث تريدون. أنجحوا هذا العهد اولا، ثم تخاصموا على رئاسة العهد القادم، والمثل العربي يقول: الطائر الأخرق هو الذي يطير في وقت مبكر ليصل الى أول غابة، حيث ينتظره الصيادون!

برلمانيو الطائف كانوا يعرفون جيدا "النسبية" لكنهم تعمدوا عدم ذكرها لأنهم يعرفون انها لا تتلاءم مع التركيبة اللبنانية، اوردوا النسبية فقط في توزيع النواب بين الطوائف.

كانوا يعرفون ان قانون "الستين" بحاجة الى تطوير وتعديل، ولذلك دعوا في الطائف الى تشكيل لجنة لالغاء الطائفية السياسية ثم انتخاب مجلس للنواب خارج القيد الطائفي بالتوازي مع انتحاب مجلس شيوخ للطوائف، واعتماد المحافظة دائرة انتخابية "بعد اعادة النظر بتقسيم المحافظات" اي التمييز بين المحافظة الإنتخابية والمحافظة الإدارية.

اليس، اعتماد "النسبية" في قانون الانتخابات النيابية انتهاك آخر وجديد لاتفاق الطائف؟

اكثر نواب الطائف وخاصة المسيحيين منهم كانوا اعقل من نواب اليوم، رغم رجعية وتخلف الكثيرين منهم، لقد كانوا اكثر وطنية ومسؤلية.

عفوا، من قال ان "الكرافات" افضل من "الطربوش"؟ اين نحن الآن من طربوش رياض الصلح وتقي الدين الصلح؟ ومن قال ان "حشيشة" صبري حمادة المصنعة يدويا اقل شأنا من معامل "البنتاغون" المصنعة آليا؟

هؤلاء كان عندهم "خطوط حمر" حدودها المصلحة الوطنية. على الأقل كانوا من دون ثلث معطل او ضامن ومن دون وزير ملك ومن دون كتب إبراءات مستحيلة، ومن دون تحديد طائفة رئيس الجمهورية، وقد احترم اللبنانيون طائفة الرئيس بالعرف لا بالدستور.

واخيرا، تذكروا مؤتمر الدوحة يوم عدتم حاملين "راية النصر" باقرار قانون الستين، على امل ان لا تتلوا مستقبلا فعل الندامة بعد ولادة القانون الجديد وبعد الإنتخابات المقبلة، وبربكم، لا تختلفوا على تسميته قانون "عدوان ام قانون باسيل"، فقد تتنصلون منه مستقبلا!

قانون "الستين" يشبه لبنان واللبنانيين يشبه تنوعهم وشراكتهم وتعدديتهم ويشبه حتى انقساماتهم. اما قانونكم الجديد فهو أكثر طائفية ومذهبية ورجعية، ولا يشبه لا لبنان ولا اللبنانيين.

فالمناصفة ووقف العدادات ثابتة ولا عودة عنها ايا كان القانون، والحديث عن صحة التمثيل في القانون الجديد، "كذبة" كبيرة، على امل ان لا يُسقط القانون الجديد اوهام صحة التمثيل وعودة الحقوق "المسلوبة" لأصحابها، فنترحم واياكم على "الستين".

"الستين" كان يؤمن التوازن، مع القانون الجديد لا شيء مضمون، وبفقدان التوازن هناك خشية من ان تعود العدادات الى العمل، اليوم طبيعي ان يحصل الفرق في تمثيل النواب المسيحيين لطائفتهم لعدم وجود المناصفة الفعلية ديموغرافيا، اما مع القانون الجديد فالخشية ان نصل الى المثالثة، المسألة ليست صحة التمثيل، بل الغاء الآخر المختلف سواء كان من طائفتكم او من الطوائف الأخرى. ومن اين اتيتم ببدعة ان النائب يجب ان يمثل او يُنتخب من طائفته كشرط لصحة التمثيل؟ الدستور يقول ان النائب يمثل الأمة جمعاء ولم يقل انه يمثل طائفته.

كان كمال جنبلاط يقول لهؤلاء مع بداية الحرب الأهلية اتركوا بعض فتات المائدة للمسلمين واقبلوا بالإصلاح السياسي ورفضوا الإصلاح فكانت المناصفة وان استمروا بالمكابرة فقد يصلون الى المثالثة، مشكلتهم انهم يقبلون متأخرين وبعد فوات الآوان.

وربما لهذا السبب كان يقول كمال جنبلاط: الموارنة تجار شطّار وسياسيون اغبياء!

واخيرا اعتقد ان الحزب التقدمي الإشتراكي سار بالقانون النسبي "المسخ" على قاعدة: مكرها أخاك لا بطل، وحتى لا يُتهم بالتعطيل، لا اكثر ولا أقل، وكفى الله شرّ المؤمنين.