غزة في واقع العتمة تنام على حصار ومخدة من شوك وصبار

طال ليل غزة وهو لن يقصر قريباً بل ربما سيطول طولا على طول.

قيل إن بشائر خير قادمة من القاهرة ستحل على غزة بعد عودة وفد القيادات السياسية والأمنية الحمساوية وهي القيادات ذات القدرة على اتخاذ القرار كما يعتقد البعض ممن لا يعرفون خبايا تسلسل اتخاذ القرار في الجماعة الاخوانية الفلسطينية. والتي يتدرج فيها القرار عبر مرجعيات كثيرة.

قيل إن وفد حماس نجح في مهمته! ولا نعلم ماذا تعني عبارة النجاح هنا؟

هل هو وفق مفهوم النجاح من عدمه عند الإنسان الغزي البسيط والمثقف؟

والذي يفهم النجاح على أنه مرتبط بحل مشاكل قطاع غزة من فتح معبر رفح بشكل دائم مع حرية حركة غير مقيدة، إلى زيادة كميات الكهرباء القادمة من الخطوط المصرية، إلى فتح معبر رفح للأغراض التجارية. إلى غيرها من القضايا الحياتية التي ترتبط ارتباطا عضويا بالرضا المصري عن أداء حكام غزة في قضايا الأمن على الحدود المصرية الفلسطينية وفي سيناء واستعداد حماس للمساعدة في ضرب الجماعات الإرهابية السينائية المسماة داعش. والتي تتلخص وفق مصادر صحفية في أربعة مطالب رئيسية وهي: تسليم 17 مطلوباً بتهم تتعلق بالإرهاب، وحماية الحدود بين غزة وسيناء، ووقف تهريب السلاح إلى سيناء، والتعاون الأمني، بما يتضمن إبلاغ حماس القاهرة بأي معلومات عن أي عناصر تمر عبر الأنفاق إلى غزة.

إذن لا يمكن استخدام عبارة نجاح الوفد والنتائج الإيجابية إلا من خلال هذه الرؤية التي مبدأها "خذ وهات" أعطني أمناً وتعاوناً في جنوب غزة وسيناء وخذ مني التسهيلات.

وفق المفهوم المصري "تسهيل حرية الحركة عبر الحدود ومعالجة حالات إنسانية، إضافة إلى تزويد قطاع غزة بالكهرباء".

لذلك مفهوم النجاح والنتائج الإيجابية مازالت تنتظر الرد من قيادة حماس على المطالب المصرية والتي على ما يبدو شملت شروطا جديدة لها علاقة بما يحدث في الخليج من تطورات، إذ أن تسريبات صحفية (إن صدقت) تقول إن المصريين طالبوا حماس بقطع العلاقة مع دولة قطر إلا أن حماس تحفظت، بدعوى وجود مشاريع قطرية قيد التنفيذ في القطاع وعليه لا يمكن لحماس قطع الصلات مع قطر في هذه المرحلة، رغم مقترح مصري باستبدال المال القطري بمال سعودي إماراتي.

وهو ما تخبرنا التسريبات أن وفد حماس لم يعطِ جوابا قاطعا عليه قبولا أو رفضا وبالتأكيد قدم الوفد إجابات معهودة بأن حماس تقبل المساعدة من أي طرف عربي وترحب بأي دعم.

ولكن المقصود عربيا ومصريا هو قطع العلاقة مع قطر وفورا لأن السعودية ستكون بالمرصاد لمعاقبة حماس بشدة. موقف حماس المبدئي تجاه العلاقة مع قطر يحسب لها لدى حلفائها في تركيا وقطر وجماعة الاخوان، ولكن هذا موقف له ثمن سياسي لن تدفعه حماس وحدها بل سيدفعه أهل غزة لاحقا إضافة إلى ما يدفعونه الآن من أثمان جراء رفض حكام قطاع غزة القبول بشروط الرئيس عباس بالخضوع الكامل لسلطته وحكومته.

وهو ما عبر عنه السيد ماجد فرج مدير المخابرات العامة الفلسطينية فيما نُسب إليه من تصريح حمل فيه حماس مسؤولية جر الشعب الفلسطيني إلى سياسة المحاور الإقليمية وهي سياسة مدمرة (بحسب رأيه).

ولكنه وفي التصريح نفسه أعلن "أن السلطة تقف في صف التحالف السعودي الإماراتي، البحريني، المصري، الموريتاني". ومع أنه لم يقل في مواجهة قطر بل في مواجهة إيران إلا أن هذه الدول فرضت الحصار على قطر وليس على إيران وبذلك حسمت السلطة ومنظمة التحرير أمرها بالوقوف في المحور العربي.

إذن إين الإيجابي في الأمر؟

هل وافقت حماس على الإملاءات المصرية في القضايا ذات الطابع الأمني في سيناء؟

إذا كان نعم فما هو جوهر الاتفاق؟ وكيف ستحصل حماس على التسهيلات؟

هل ستكون هذه التسهيلات مرتبطة بمدى تجاوب حماس مع الخطوات المطلوبة منها مصريا؟ أي أن مصر ستستخدم مع حماس وبالتالي مع غزة نظام القطارة في تطبيق الاتفاق؟ مقابل التطور في التعاون حيث سيتم زيادة التسهيلات بالتدريج دون التنسيق مع خطوات الرئاسة الفلسطينية التي تضغط على حماس بمزيد من الإجراءات "غير المسبوقة" أخرها فرض العتمة الشاملة على غزة.

ألم تحمل المطالب أو الإملاءات المصرية بالإضافة لقضايا الأمن قضايا سياسية؟ أم أن القاهرة اقترحت على حماس رزمة واحدة من المقترحات المتكاملة من بينها الإصرار على قطع حماس لصلاتها بقطر وإيران كشرط لا بد منه لقبولها عربيا وجعلها خارج قائمة الإرهاب العربية وهذا الموقف موقف للرباعية العربية وليس لمصر وحدها وبذلك هو ليس مجالا قابل للتفاوض بل تم تحت بند "إما، أو ".

وفيما يبدو وبطريقة غير رسمية فتحت مصر (السلطة وحركة فتح نفيتا قيام مصر بذلك) باب خلفي لحماس للخروج مما ترفضه وهو القبول بشروط الرئيس عباس التي تعتبرها حماس قاسية وغير مقبولة، باب الخروج الخلفي هذا أن صح وهناك ما يؤشر لفتحه بالفعل وقد تم من تحت الطاولة الرسمية المصرية إن قبلت به حماس سيفك الحصار عنها ويتم قبولها عربيا، هذا الباب الخلفي هو التعاون مع تيار السيد محمد دحلان حليف القاهرة وأبوظبي في إدارة قطاع غزة كخطوة ستقود في النهاية إلى مصالحة فلسطينية شاملة بحسب وصف السيد أحمد يوسف أحد قيادات حركة حماس؟

غريب ما يقوله السيد أحمد يوسف "فهو يعلم علم اليقين أن ذلك غير ممكن، وهو يعلم أن حماس مُخيرة في الوضع الداخلي بين السيد محمد دحلان والرئيس أبو مازن إذ لا يمكن الجمع بينهما بأي صورة من الصور في الوقت الحاضر، بل أن أي تقارب مع السيد دحلان سيقود إلى تعميق الخطوات "غير المسبوقة" للسيد الرئيس تجاه قطاع غزة حيث قد يصل الأمر إلى قطع رواتب موظفي السلطة بالكامل وإعلان قطاع غزة إقليما متمرداً مع ما تمثله هذه الخطوة من مخاطر على سكان القطاع".

وفي النهاية يطرح سؤال ما طبيعة هذا الكيان الذي سيُحكم من حماس والسيد دحلان؟ هل هو دولة منفصلة عن الضفة ذات حدود مؤقتة؟ أم أنها تطبيق لخطة غيورايلاند ذائعة الصيت بحل القضية الفلسطينية على حساب سيناء؟ هل ستقبل مصر بذلك؟

حتى اللحظة لم يدلِ وفد حماس العائد من القاهرة باي تصريحات إيجابية كانت أم سلبية وباعتقادي لن يدلي بأي منها قبل أن يعود إلى قيادته الأعلى فهكذا قرارات ستنعكس على مجمل وضع الحركة في المرحلة القادمة وهي بحاجة إلى ترتيبات وتفاهمات مع الداخل والخارج الحمساوي وغير الحمساوي. سواء فيما يخص قبول الإملاءات المصرية أو المقترحات المقدمة من قبل السيد محمد دحلان وجماعته والتي لا تبتعد عما سمي بالحل الإقليمي الذي وصف بصفقة العصر.

حماس في قاع الزجاجة، ولم تصل بعد إلى عنقها، الخيارات أمامها منعدمة. فغزة وحصارها يضغطان عليها وكلما زاد الضغط كلما ذهبت الأمور باتجاه الانفجار الكامل من خلال الذهاب إلى حرب مع إسرائيل وهو خيار تعلم قيادة حماس من خلال تجاربها بالحروب الماضية على غزة أنه ليس خيارا حكيما بل مجازفة غير محمودة العواقب (خاصة في الظروف الراهنة) حيث ستعرضها الحرب للاجتثاث بحسب تصريحات وزير حرب العدو أفيغدور ليبرمان، وبالتأكيد ستراكم هذه الحرب إن حصلت الويلات على أهل القطاع المحاصر.

كان الخيار الفلسطيني دائما مُشرعا امام حماس، وما زال الخيار الفلسطيني هو الحل الأمثل، وثيقتها السياسية لم تُفيدها في شيء وشبكة تحالفاتها اليوم متهمة بدعم الإرهاب وممارسته وهي أيضا ليست بعيدة عن هذه التهمة أميركيا وسعوديا وإماراتيا، تبقى النافذة المصرية هي سبيل إن سلكته حماس متسلحة بالمصالحة تكون قد حمت رأسها ورأس أبناء شعبها في القطاع من العاصفة الترامبية التي تضرب الإقليم وتعصف بما بناه أوباما من تحالفات مع الإسلاميين وداعميهم الإقليميين، العجلة تدور بسرعة بحيث لا تملك حماس وقتا للتفكير الطويل الذي تمارسه جماعات الإخوان في العادة، فإذا لم تستبق الأحداث فإن فأسا ستقع في الرأس لا محالة، حماس ليست دولة وليست عظمى لا تملك إمكانيات قطر ولا تملك أصدقاء لديهم القدرة لنجدتها فبعض أصدقائها هم اليوم مثلها يبحثون عن مُنقذ مازال خياله بعيد عن مرمى النظر.

نتمنى أن تفهم حماس الدرس وتتعاطى مع لعبة السياسة بحكمة وتجد من المخارج التي فتحت أمامها دربا تسلكه لتحمي نفسها وتحمي من تحكمه من شعب مل الانتظار ووصل الى مرحلة الانفجار أو الانتحار، حماس وحدها من يملك قرار رفع المعاناة عن هذا الشعب بحسم أمورها باتجاه وحدة ما تبقى من وطن أسمه فلسطين والابتعاد عن سياسة المحاور فعلا لا قولا.