مفيش فايدة يا صفية

إذا لم تكن الجملة التي تنسب إلى الزعيم التاريخي المصري سعد زغلول حقيقية فهي واقعية استنادا إلى الوقائع والمعطيات الواقعية والنتائج التي انتهينا إلينا، أمة مسلوبة الإرادة وبلدانا منتهكة وثروات تنتظر مَن ينهبها.

ألم يكن القدر كريما مع العرب؟

نكذب على أنفسنا لو صدقنا البراءة التي نضفيها على فشلنا.

ما فعلناه دائما أننا هزمنا أنفسنا بأنفسنا. كان الوحش المقيم بيننا يرتب أحواله عبر تلك العقود التي انشغلنا فيها بتدمير بعضنا البعض.

تفننت الأنظمة الوطنية في تدمير معارضيها السلميين. سجون ومشانق وساحات اعدام وترويع وتجويع وعزل ونفي ومطاردة وحرمان وتشويه سمعة وأجهزة تنصت ومساومات واغتصاب حقوق وتهديد ورعب وتهجير من أجل لا شيء. لا شيء تماما.

كانت هناك حرب مفتوحة على الأفكار، وقع ضحيتها أفراد أشتبه في أنهم يفكرون. المؤلم أن دولا وظفت أجهزة انفقت على إنشائها مليارات الدولارات في أداء مهمة تافهة من ذلك النوع.

كان النظام السياسي العربي خائفا من ظله. وهو ما دفعه دائما إلى ممارسة قسوة ليست في محلها ولا تليق بإنسان. وإلا ما معنى المجزرة التي ارتكبتها سرايا الدفاع في سجن تدمر السوري عام 1980؟ أيعقل أن تقوم حكومة بقتل مئات السجناء وهم عزل ومقيدون بتهمة التآمر عليها؟

تلك الواقعة مجرد عينة لما كان عليه الوضع في المختبر الذي كانت الشعوب العربية رهينة تجاربه.

كان الأولى بالأنظمة العربية أن توظف أجهزتها الأمنية في قياس درجة حرارة الأرض، هناك حيث كان الوحش يقيم بدلا من أن تتسلى تلك الأجهزة بأفراد أبرياء لم يكن ذنبهم سوى التفكير بصوت عال.

لقد مُنحت الأنظمة الوطنية العربية متسعا من الوقت لم تستفد منه في التنمية البشرية والمادية إلا في حدود ضيقة بل استعملته في صنع المكائد لمعارضيها الذين كانوا دائما بشرا عزلا لا حول لهم ولا قوة.

ما أهدره الحكام العرب لا يُقاس بعدد سنوات حكمهم فقط بل وأيضا بقيمة الزمن التي تم تسطيحها بحيث عاشت أجيال عربية كما لو أنها لم تعش حقا. فمنذ أكثر من ثلاثين سنة والعراق يعيش حالة حرب. حرب تفتح الباب على حرب تليها. وبوجود تلك المطحنة استسلمت أجيال لهلاكها.

وفي ليبيا مُنح القذافي أربعين سنة كانت مأساته الشخصية نتيجتها.

الشعب الذي تُرك جاهلا لم يجد وسيلة للخلاص سوى الانتقام. لا تزال تلك الوسيلة قائمة حتى هذه اللحظة وكانت القوى الظلامية هي المستفيد الوحيد من التيه.

القوى الظلامية التي لم يحاربها النظام السياسي العربي بالتعليم والتمدن والتحضر والصحة والتنوير والحرية وروح المبادرة الحية والجدل الفكري والتفهم للموقف المعارض كانت جاهزة للقفز إلى السلطة.

وقد يكون من الانصاف أن لا نلوم تلك القوى حين تفعل اليوم ما تراه يصب في مصلحتها وهي التي انتظرت طويلا فرصتها. اللوم كله يقع علينا. ولكن هناك مَن يسعى إلى تبرئتنا مما جرى لنا. كما لو أننا مجرد خراف. الشعوب من وجهة نظر ذلك البعض هي مجموعات من الخراف تقودها النخب.

وهو رأي يقود إلى المقولة التي ترفع الغطاء عن الديمقراطية باعتبارها حلا نهائيا. الديمقراطية هي أقل الحلول شرا.

مشكلتنا أننا في كل الحالات كنا خرافا.

لو تم اختراق عقل الحاكم العربي لما رأينا فيه وهو يخاطب شعبه العظيم سوى الخراف. كان سؤال القذافي "مَن أنتم؟" خلاصة تلك التجربة.

"مفيش فايدة" لقد انقطع حبل الحوار منذ زمن طويل. مَن يحاور مَن؟ يوم كان ذلك الحوار ممكنا لجأت السلطات إلى القمع والقتل والتشريد والاقتلاع.

أما اليوم فما من حاجة إلى الحوار. القوى الوحيدة التي لا يزال في إمكانها أن تقاتل هي القوى الظلامية. سواء كانت تلك القوى في السلطة أم خارجها فإنها لا تشعر بالحاجة إلى الحوار.

هل ذهبت من غير عودة الفرصة التاريخية التي يكون فيها الإنسان العربي صانعا لمصيره؟