السياسيون لم يعودوا من المشاهير

قبل عقود كان الناس، كل الناس تقريبا يتفقون إلى حد ما على معرفة المشاهير في بلدانهم، ومن حسن حظ الناس لم يعد بمقدورهم معرفة “مشاهير” اليوم بنفس القدر الذي كان سائدا قبل عقود.

أقول من حسن حظ الناس، لأن الاهتمام بما يشغلهم بالمعرفة لتساعدهم على اتخاذ قرارات بشأن مسألة مهمة تخص حياتهم، أهم بكثير من معرفة أخبار المشاهير.

المشاهير اليوم ليسوا كمشاهير الأمس، لا العدد محدودا ولا وسائل التعرف على أخبارهم قليلة تسهل على الجمهور الاطلاع عليها، لأن مشاهير اليوم أكبر عددا من فكرة الشهرة نفسها، وهم متاحون أينما تولي الوجوه وتتحرك الأصابع على الهواتف الذكية، فلم يعودوا يشكلون قدرا من الأهمية، سواء تعرفنا عليهم أم لم نتعرف عليهم. لذلك لم يعد مغريا التعرف عليهم، وهو أمر بات لا يثير الشغف عند الناس مثلما كان من قبل.

سيكون من الصعوبة بمكان على أي عربي اليوم وهو يشاهد قناة فضائية موسيقية أن يعرف كل المطربين الذين يظهرون عليها؟ إنهم أكثر من قدرته كإنسان على المعرفة، تماما مثل كمية المعلومات المتدفقة على الإنترنت التي باتت تفوق قدرة البشر. وهو غير الحال الذي كان عليه من قبل، فكنا نشاهد قناة واحدة أو إثنتين في أفضل الأحوال، والمطرب الذي يظهر اليوم قد نشاهده غدا أو بعد غد.

وهذا ليس أمرا سيئا كما أعتقد، فعدم معرفة المشاهير هو أمر في غاية الغبطة ليجعلنا نهتم بأنفسنا وصناعة أفكار مجدية والتخطيط بدقة أكثر بدلا من الجدل الفارغ على أهمية صوت فلان ومهارة اللاعب علان وأداء الممثل القصير، وحركة الممثلة العاجزة عن التعبير، إنها “معرفة ضيقة” تشتت الذهن وتزيد الإحساس بالتشكيك في شخصية الآخرين.

أشعر بسعادة كلما يمر اسم مشهور أمامي ولم يسبق أن تعرفت عليه، مثلما أشعر بالإحباط والخيبة كلما سمعت بكتاب عظيم آخر لم أقرأه بعد.

الأروع من ذلك أن السياسيين أيضا لم يعودوا من المشاهير، ليس لأنهم كثر في البرلمانات الخاوية من الوطنية والوزارات الفاسدة والمترهلة، بل لأنهم عاجزون عن تقديم ما يدعو إلى متابعة أخبارهم!

التلفزيون لم يعد كافيا لشهرة المشاهير كما كان من قبل، لأن هناك مئات التلفزيونات وليس بمقدور الجمهور مشاهدة كل ما يعرض عليها، لم يعد التلفزيون مقتصرا على الزعيم الأوحد، صار لدينا عشرات الزعماء ومئات من رجال الدين، لكن الديمقراطية لم تتحرك لدينا، بقدر ما اجتاحنا التخلف والترهل والكراهية.

ألا نتعرف على السياسيين ليس حلا، لكن أن نعرفهم هو أسوأ الحلول ونحن نشاهدهم يدمرون الحياة.