الصهيونية والحاضنة الاوروبية: أثر الحداثة وما بعد الحداثة

من ضمن المراجعات المفصلية التي يحتاجها عالمنا العربي، العديد من الأمور المستقر عليها والمفترض أنها تتصف بالعلمية والموضوعية. والحقيقة أن الكثير من أبنية ومفاهيم النخب والثقافة العربية هي مجرد قشرة خارجية أو مجرد انعكاس ورد فعل للصراع السياسي التاريخي الذى ظهر في العصر الحديث بين اليمين واليسار العربي! خصوصا حين سيطر التوظيف الأيديولوجي لليسار على الكثير من العلوم والدراسات الإنسانية والمجالات السياسية، فأصبحت هناك "صورة نمطية" مُصدرة للناس في العديد من الموضوعات، في مقابل وجود الكثير من المسكوت عنه والمُغيب عن الناس.

والصراع العربي الصهيوني، وجذور الصهيونية ليسا ببعيدين عن هذا التناقض الذى انعكس في العلوم الإنسانية بين اليسار واليمين العربي، فالشائع عن الصهيونية هو بعدها الديني العنصري المتشدد، الذى يقدم "الصورة النمطية" لليهودي، وكأن الصهيونية هي الوجه الآخر لليمين العربي (فرق الدين السياسي في الإسلام)، في مقابل غض الطرف عن واقع الحاضنة الاوروبية للصهيونية في أكبر تمثلين لها فى العصر الحديث من خلال: حالة الحداثة، وحالة ما بعد الحداثة.

الحداثة والصهيونية

لا يتخيل الكثير من الناس أن الصهيونية ليست سوى واحدة من تمثلات مشروع الحداثة الاوروبي! وأن الحاضنة الحقيقية لها كانت في روسيا الماركسية، التي قدمت البنية التنظيمية الصلبة للأحزاب الصهيونية ومتن الهجرات المؤسسة للمشروع، حيث ظل حلم الدولة اليهودية عند هرتزل محض نداءات يهودي اوروبي تائه آخر في اوروبا الغربية، حتى وصلت دعوته روسيا واستقبلها اليهود الروس المراكسة بما لهم من ثقل فكري داخل الأحزاب الشيوعية هناك، وتواكب ذلك مع موجة جديدة من الأحداث المعادية لهم (أي يهود روسيا) هناك عقب اغتيال القيصر الروسي، مما دفعهم للمزج بين أزمتهم القومية المتكررة في التاريخ الاوروبي عبر ما يسمى الاضطهاد الاوروبي المسيحي أو "معاداة السامية"، وبين أطروحات التفسير المادي الماركسي للعالم عبر الطبقات وظروف الانتاج، من خلال تطوير نظرية "ماركسية صهيونية" خاصة بهم، قامت على تجميع اليهود في فلسطين ليكونوا طليعة حداثية ماركسية في المنطقة للجماهير الفلسطينية والعربية وفق فرز طبقي ودولة صهيونية حداثية ماركسية تقوم على المستوطنات والعمل الجماعي.

إجمالا كانت الصهيونية السياسية أطروحة حداثية ليهود اوروبا، للتخلص من عجز جماهير يهود اوروبا المستضعفين والمنتظرين للحل والخلاص الديني في نهاية العالم عند نزول "الماشيح" اليهودي أو المخلص اليهودي وفق العقيدة اليهودية.

فالصهيونية بالأساس كانت نظرية بشرية وضعية ليهود اوروبا، لحل مشكلة وجودهم القلق في اوروبا عبر تاريخها الوسيط والحديث، عبر توظيف "مستودع الهوية" اليهودي بكل مكوناته وروافده الدينية والعرقية والتاريخية لتضع نفسها على الأرض، فظهرت إلى جانب الصهيونية الماركسية كعصب رئيسي وضع أحلام هرتزل على الأرض في الحاضنة الروسية، الصهيونية الاشتراكية (العنصرية غير التشاركية مع العرب)، والصهيونية الليبرالية (عن وجود مشترك مع العرب على أسس غير عنصرية)، والصهيونية الثقافية أو الروحية (تحويل فلسطين لمركز وحي وإلهام وليست كتجمع لكل يهود العالم)، والصهيونية الدينية (العنصرية التي تعتبر الاحتلال تمهيدا للنبوءات الدينية)،..الخ.

الصهيونية وما بعد الحداثة

الحداثة كانت إجمالا محاولة أهل اوروبا البحث عن طريق آخر للحياة غير طريق الرب الذي أساءت الكنيسة استخدامه في العصور الوسطي بتحالفها مع السلطة والاستبداد السياسي باسم إرادة الرب! فأعمل الاوروبيون عقلهم في استكشاف طريق العلم البحت، وطرق الوجود البشري ووضعوا أفكارا من عندياتهم لتحديث واستبدال أفكار وأطر العصور الوسطى.

وما بعد الحداثة إجمالا هي تحطم محاولات العقل الاوروبي على صخرة الواقع، واستيقاظه على فظاعات أكثر قسوة أنتجها العقل الاوروبي ومحاولته إعادة صف وفرز الوجود البشري الاوروبي، عبر معايير مغايرة للهوية بعيدا عن المطلق الديني، اعتمدت على: العرق، واللغة، والمصلحة،..الخ. خاصة مع الحرب العالمية الأولي وبعدها الحرب العالمية الثانية. لكن كيف في ظل سياق ما بعد الحداثة احتضنت اوروبا الصهيونية كما احتضنتها في مرحلة الحداثة؟

استطاعت الصهيونية في القرن العشرين، أن توظف تمثلات ما بعد الحداثة الاوروبية لصالحها، فلو قلنا أن النازية كانت أطروحة حداثية اعتمدت على فكرة الفرز العرقي الأنقى للبشر كوسيلة لارتقاء المجتمع وبنائه، ومن ثم التخلص من الأعراق الأدنى (ومنها اليهود والزنوج وغيرهم)، لقلنا أن الصهيونية رغم عنصر الطرد النازي الرافض لهم، وجدت الحاضنة أيضا وعكست هذا الظرف لصالحها.

النازية قد تعد من وجهة نظر ما "معاداة سامية" تستند لأفكار حداثية، وامتدادا لما سمي "معاداة السامية" المسيحية التي استندت للموقف الديني. وكما كانت الحداثة رد فعل على فشل المؤسسة الدينية الاوروبية، كانت ما بعد الحداثة رد فعل على فشل الحداثة ومشروع العقل الاوروبي، فقررت ما بعد الحداثة في أحد أبرز آبائها وهو الوجودية عمل قطيعة مع العقل والاحتماء بالعاطفة والانطباع البشري، وإهمال المنهج الجوهري التاريخي الذي يبحث في أصل الأشياء والاكتفاء بالمنهج الظاهري الذي يقف عند الواقع الملموس والآني ولا يهتم بما سبقه، لذا فأنتجت الوجودية كأحد تمثلات ما بعد الحداثة، أحد أهم الأطروحات الفلسفية السياسية التي احتضنت الصهيونية ومثلت رافعتها الأكبر في القرن العشرين ما بعد الحداثي، والتي تمثلت في كتاب سارتر: "تأملات في االمسألة اليهودية".

اعتبر سارتر أن الصهيونية هي التطهر من أزمة الحداثة (النازية العنصرية والعرق الأعلي النيتشوي)، وقدم تفسيرا فلسفيا للصهيونية، باعتبارها التمثل الوجودي الجماعي الأصيل والحر ليهود العالم المضطهدين عبر التاريخ! واعتبر اليهودي شخصية سلبية إلى أن يتطور وعيه بوجوده نحو الجماعة والمشروع الصهيوني واحتلال فلسطين.

وهكذا جاءت ما بعد الحداثة، و"العاطفة" الاوروبية وتمركزها حول الذات التي هجرت التاريخي و"الجوهري"، واعتمدت على انطباعها "الظاهري" لتصبح الحاضنة الثانية للصهيونية بعدما كانت الحداثة هي الحاضنة الأولى، وينجح سارتر في كتابه الأخطر على مستوى الفلسفة السياسية، في نقل سياق مفهوم "معاداة السامية" الاوروبي، لسياق نضال العرب ضد احتلال فلسطين، معتبرا أن رفض ومقاومة الصهيونية واحتلال فلسطين وهيمنة يهود اوروبا على المنطقة هو نوع من "معاداة السامية".

وكأنه يجب على العرب دفع فاتورة الحداثة حينما قدمت روسيا الماركسية تصورا عن مشروع احتلال تقدمي لتنوير العرب البدو سكان الصحراء مع "الصهيونية الماركسية"، ثم على العرب كذلك دفع فاتورة ما بعد الحداثة والخضوع للصهيونية باعتبارها تطهرا لأهل اوروبا مما فعله هتلر تجاه يهودها مع "الصهيونية الوجودية" التي اعتبرت الصهيونية تحريرا وجوديا جماعيا ليهود اوروبا المضطهدين والمشتتين.

هكذا كانت اوروبا حاضنة للصهيونية، في الحداثة وما بعدها، لذا فمن أراد أن يفهم الصهيونية حقا عليه أن يفهم جذور الحاضنة الاوروبية لها، ثم الأهم عليه أن يستشرف اوروبا فيما بعد "ما بعد الحداثة"، كذلك يستشرف استشارفا مضادا؛ وظهور مركز بديل لنظرية جديدة في الوجود البشري، خرجت مع الثورات العربية، تقوم على إعادة إنتاج الذات ونهضتها ورفض تراكمات السياق التاريخي.