درعنا الحضاري المهلهل

منذ الصغر، حيث تشكل وعينا السياسي على ادبيات اليسار باشكاله المتعددة، كنا نسمع عبارات مثل التصدي للمخططات الاستعمارية والصهيونية، او ضرب المصالح الامبريالية، وغيرها من العبارات التي تعكس جوانياتنا المقهورة، بفعل الاستلاب الطويل الذي تعرضنا اليه. ليس بالضرورة على يد تلك القوى التي اقتحمت مسمياتها ثقافتنا السياسية مطلع القرن الماضي وحسب، وانما ما تعرضنا اليه قبلها من جور وحرمان على يد الاغراب، استمر قرونا وخالط دمنا ومشاعرنا وصار يسري في جيناتنا، حتى نمت بداخلنا روح الانتقام اكثر مما نمت روح الثورة، وجعل منا دوغمائيين اكثر مما جعل منا ثوريين ننزع للتغيير والتجديد باستمرار، وهذه حقائق يجب ان نعترف بها.

انا هنا لا اتكلم عن العراق وحده، بل منطقتنا بكل دولها المبتلاة الان بالارهاب، الذي نزّ بشكله البشع من بين ركام ادبياتنا المنفعلة تلك، والتي تركناها خلفنا وتركتنا حطاما على قارعة الطريق الحضاري الذي اوصل شعوبا اخرى الى حيث تريد، بينما نحن مازلنا نتعثر بمقولات وطروحات لا يعرف معانيها اغلب الذي يتحدثون بها. والسؤال الذي يطرح نفسه الان هو؛ اين هي الروح الثورية الحقيقية التي توهمنا اننا زرعناها في نفوس الاجيال، ولماذا بات الكثيرون حتى من مثقفينا، يجمعون الوقود لمحارق الطائفية والجهويات المشتعلة باجسادنا؟

لقد حصلت في تاريخا المعاصر الكثير من الانتفاضات والاحتجاجات و"الثورات" ايضا، لكنها لم تفلح في خلق جيل ثوري او كتلة تاريخية متماسكة، ينبغي ان تتشكل وفقا لرؤية مستقبلية تستحضر اسباب استمرارها وتعمل عليها، والسبب هو اننا انشغلنا في تبني عقائد، اغلبها جاهزة، استوردناها من الخارج بعد ان نمت وترعرعت في ظل ظروف مختلفة عن ظروفنا وثقافة ليست كثقافتنا، وضمير ليس كضميرنا، فكان اغلبنا يلعق مقولات تلك العقائد لعقا من دون ان يتمثلها او يتفاعل معها بصدق. وكنا نوهم انفسنا باننا نقف بوجه الامبريالية، والحقيقة اننا كنا نحتمي بغيرنا، حين كان هناك توازن دولي، ايام الحرب الباردة، التي شهدت ولادة الكثير من نظمنا الثورية، ولم نعمل على خلق درع حضاري حقيقي، نكون فيه متصدين بصدق للامبريالية وغيرها، عندما تهدد مصالحنا، فكنا صدى ولم نكن صوتا، وكنا نهتف بطريقة ديماغوجية، استنزفت منا وقتا كثيرا من دون جدوى، والاّ اين هي معاملنا التي بنيناها لنكون غير محتاجين للسلع التي تأتينا من هناك؟ واين هي مصانع الاسلحة التي ينبغي ان نسلّح بها جيوشنا لندافع بها عن انفسنا؟ واين هي ثقافتنا التي نتصدى بها لطروحات الاخرين ونحاورهم من خلالها، بدلا من اجترار مقولاتهم بطريقة مربكة وغير منتجة؟ واذا كان الدرع الحضاري للغرب والامبريالية قد تعزز هناك وتمكن من الوقوف بوجه الشيوعية والتحديات الاخرى، وانتصر على معسكرها وفرض نفسه على العالم بأدواته تلك، فاين هو الدرع الحضاري الذي بنيناه لانفسنا، ثقافيا وصناعيا وعسكريا؟ علينا ان نعترف ان الذين انجروا للخطاب الطائفي تحت ضغط هذه العاصفة المرعبة في العراق والبلدان العربية الاخرى، ممن كانوا يتحدثون بالتقدمية والقومية والشيوعية وحتى الوطنية، هم صنيعة هذا الوهم الثقافي الذي سوّرنا به العقل الجمعي، من دون ان نسلّح هذا العقل بمقومات المقاومة الحقيقية. فحين يتحدث اليوم بالطائفية من كان شيوعيا، فهذا يعني انه لم يكن شيوعيا اصلا، ولم يعرف الف باء الماركسية. ومن كان يتحدث بالقومية بيمينها ويسارها ويسلك السلوك نفسه، لم يكن سوى راكب موجة ومنتفع لااكثر. ومن كان يتحدث بالتقدمية والوطنية وينادي اليوم بالتقسيم ويثقف له، لم يكن يوما وطنيا، لان الوطنية ليست فقط انتماء عاطفي لبقعة من الارض، وانما هي رسالة انسانية قبل كل شيء، يتجاوز فيها الوطني الحقيقي كل انتماء جهوي داخل الوطن من اجل الوطن بكل ابنائه، ومنه الى كل الانسانية، فالانسان يبقى اولا واخيرا عنصرا متفاعلا من محيطة الخاص او وطنه، مع اخوانه من بني البشر في العالم كله، وتلك هي الوطنية الحقيقية البعيدة عن التعصب والعنصرية بكل اشكالها. نعم، لم نعد اليوم نملك درعا حضاريا يحمينا، وبتنا في امكنة مهلهلة يخترقها أي سهم مهما كان واهنا، لاننا اصبحنا واهنين، فثقافتنا مشوهة، ورؤيتنا للمستقبل غائبة للاسف.

هل هي نظرة تشاؤمية؟ كلا. بل تنبيه لمرض استفحل بيننا مؤخرا، بعد ان اسهم الكثيرون في صنعه، ويجب معالجته، لان الحقيقيين كثيرون وقادرون على التأثير في حياة وثقافة مجتمعاتنا التي تتعرض لأكبر هزة في تاريخها المعاصر، لكن علينا جميعا ان نشخص هذا المرض، ونتحدث به، لان استمراره سيفتك بما تبقى لدينا من اسباب التماسك المجتمعي، وسيجعلنا جميعا نبكي على اطلال دول كانت لها مسميات تشبهنا!