التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري

كنت أنوي مواصلة الكتابة عن الأزمة القطرية ومناقشة السؤال الذي تردده الدوحة ووسائل الإعلام التابعة لها، الخاص بالترويج لانتصارها في معركة المقاطعة العربية، لكن وجدت الحديث عن بعض النماذج البشرية التي نراها يوميا في حياتنا وتثير حيرتنا يضرب عصفورين بحجر "مقال" واحد، قطر والمتضخمين معنويا على شاكلتها.

ربما تكون أوجه الشبه بعيدة في نظر البعض، لكن من يدقق في الأمر يجدها قريبة، ومعبرة عن الحالة التي يرسمها كثيرون لأنفسهم ويريدون خداع آخرين بها والتعامل معهم من خلالها، وكلها نماذج غير طبيعية بالمرة، تأتي نتيجة ظروف نفسية معقدة يتخيلها هؤلاء ويحاولون فرضها. وحتى لو تظاهر الآخرون بتصديقها فهذا لا يعني أنها حقيقة. فالحياء الإنساني وبعض المواءمات وعدم القدرة على المواجهة، وأحيانا "تكبير الدماغ" تفرض طقوسها على أنماط في العلاقات الاجتماعية، كما تلجأ بعض الدول إلى قبول أمراض دول أخرى لأسباب سياسية.

الأشخاص مثل الدول، في تقلباتهم والاعتزاز بذواتهم وأهوائهم، بالتالي فالتركيز على عدد من النماذج البشرية يحقق دروس إنسانية ويساعد على فهم سر التضخم السياسي المبالغ فيه من جانب قطر، دون حاجة لتكرار الحديث بالتفصيل عن عدد سكانها القليل ومساحتها الضئيلة وحشر أنفها في كل كبيرة وصغيرة في المنطقة وتدخلها في الشئون الداخلية لبعض الدول، وتعاونها السافر مع من يخالفون القانون ويرتكبون جرائم إرهابية.

أولا: أصحاب التعالي والغرور والغطرسة. هؤلاء يصدرون لك وجها عابسا وغير عابئين بمن حولهم، قليلو الكلام ومنتفخون معنويا، يختالون في مشيتهم ويختارون دوما علامة تميزهم. البعض يتعمد وضع سيجار أو بايب بين يديه، يشعله عند الضرورة، وغالبا لا يتغير لأنه يظل مدة طويلة غير مستخدم بالطريقة التقليدية، ومعظم الوقت يوضع داخل علبته وفي مكان ظاهر للإيحاء بالفخامة والزهو.

هذا الصنف من البشر (وليس السيجار) يمشي كأنه منتفش الريش، لا يعترف بخطأ ولا يحاول إصلاح خطيئة، يبدأ بالهجوم والنقد اللاذع أو التجاهل والإهمال، كنوع من الدفاع المسبق ووقف تهور قد يأتي من الخارج، بمعنى ردع كل شخص تسول له نفسه الاقتراب منه، وهو نمط شائع يدل على التفاهة والفراغ وقلة الحيلة وانعدام الثقة، وإذا قاده حظه العاثر للتعرض لهجوم مضاد ومباغت ظهرت رعونته، ويتصرف كمن مسه جن ويتراجع إلى الخلف خطوات لتحاشي المزيد من اللكم بالكلمات.

هكذا يبدو سلوك قطر على المستوى السياسي، تضخمت وتخيلت أنها قوية، صدقت وبدأت تتصرف بموجب هذا السلوك الخيالي، حتى واجهت الحقيقة عارية، فانتفضت وشرعت في الصراخ والتحدي على طريقة المخرج والفنان الراحل أحمد توفيق في الفيلم المصري "شيء من الخوف" عندما كان مواطنا بسيطا وردد المقولة الشهيرة "أنا عشرين عتريس في بعض" تشبثا بعتريس الحقيقي كدليل على أنه ليس ضعيفا.

ثانيا: مناصرو الحقوق والحريات. نموذج إنساني منتشر يلجأ إلى التظاهر بالاهتمام بالبسطاء والفقراء والمظلومين، وهي صفات حميدة عندما تكون راسخة دون افتعال وليس لإخفاء ضعف يخجل منه صاحبه، فيتعمد الإسراف في الحديث عن التسامح والعدل والعلاقات الإنسانية السوية وأهميتها للبشر، ويصعد إلى درجة تبني خطاب متهاون في الدفاع عن حقوقه والتركيز على الآخرين، وعدد كبير من المنتمين لهذا الفريق تجدهم في المحكات الرئيسية بوم وغربان وأشرار يصدرون أزماتهم بعيدا عنهم حتى لا تتم مكاشفتهم بأوضاعهم المزرية.

الكلام الذي دأبت قطر على ترديده حول دفاعها عن حقوق الإنسان والحريات والمساواة والديمقراطية كمبعوثة للعناية الإلهية في المنطقة، يشبه النمط البشري السائد في بعض الدول التي تريد نشر منظومة قيم نبيلة وترفض الإشارة لمدى الالتزام بها أو تعبأ بمن يرون تصرفات تصدر عنها تناقض ما تتفوه به، فوسائل الإعلام التابعة للدوحة ملأت الدنيا ولم تجرؤ على الحديث عن النسبة التي تطبقها قطر من القيم الإنسانية المتعددة التي تنادي بشيوعها في المنطقة العربية.

ثالثا: البراءة كوجوه الأطفال. هي في الأصل صفة نبيلة، تدل على الصفاء والسكينة والبعد عن الضغينة، لكن كثيرين لجأوا إليها واكتسوا بها لتجنب الدخول في مشكلات وأزمات، فطالما أخذ الناس عنك انطباعا يشي بأنك طيّب وتستقبل كل أنواع البشر بابتسامات هادئة، تعاملوا معك بلا خوف باعتبارك مركزا للهدوء والطمأنينة.

قبل أن تنفجر الأزمة الأخيرة، ساد انطباع لدى كثيرين أن قطر رمز للبراءة، تتعاون معها قطاعات كبيرة من الأشخاص والدول من منطلق لا خوف منها ولا عليها، كعنوان للطفولة السياسية، تسعى للقيام بدور أكبر من قدراتها، وتُركت تمارس هوايتها على طريقتها بذريعة انتفاء الطموحات، إلى أن استيقظ البعض ووجدوا البراءة تخفي خلفها مشروعا خطيرا، يمكن أن يضاعف معاول الهدم التي كسرت أجزاء في دول كانت كبيرة.

رابعا: محاربو الفساد. ينتابني إحساس بالقلق كلما رأيت شخصا يبالغ في دفاعه عن طهارة اليد والنظافة ويتظاهر أنه المسئول الأول عن مكافحة الفساد ومحاربة الفاسدين، وأشعر أن على رأسه بطحة وفي أنحاء جسده جروح مثخنة، مبالغته تخفي شيئا سلبيا يريد أن يلصقه بالآخرين، هذا لا يلغي أن هناك مخلصين حقيقيين في رفضهم وكشفهم للفساد، هؤلاء تعرفهم من عملهم في صمت، بلا صخب أو ضجيج.

قطر أخذت منذ فترة طويلة تتحدث عن الفساد بأشكاله المختلفة، السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والإعلامية، ولم تجرؤ على كشف عملية فساد واحدة داخلها، فالأخطار الناجمة عنه طالت جميع أنحاء العالم ووقفت عند حدود قطر، ما يؤكد أن الدوحة تشبه الكثير من الأنماط المشوهة للبشر.

خامسا: أصحاب الحظوة والنفوذ والسطوة والقوة. يتباهون بما لديهم من علاقات، يصورون لك أنهم مسنودون من قبل قوى خفية تمنعك من المواجهة بأخطائهم، بل تسمح لهم بارتكاب الموبقات دون حساب أو رقيب، شعارهم "انت مش عارف بتكلم مين"، وعندما تعرف ربما تختفي وتهرب بجلدك، كما يقولون، والتضخم الذي يبدو عليه هؤلاء بلغ حدا مخيفا، لأنه وصل درجة القتل أحيانا، بوهم أن هناك جهات توفر لهم غطاء يسمح لهم بالتحدي وضرب عرض الحائط بأي مساءلة، وعندما تقع الجريمة تتوارى القوى الخفية.

قطر تتصرف مع الأزمة التي تواجهها كأنها مسنودة من قوى كبيرة، دون أن تدرك أن وقت الجد سوف يُرفع عنها الحجاب والغطاء نهائيا، ولن توجد قوة، مهما بلغت ضخامة مصالحها مع قطر، تدافع عن دولة تتبنى دعم العنف ونشر الإرهاب.