سارتر ونظريته في الصهيونية الوجودية والعنف

في واقع الأمر هناك مجموعة من الأفكار الاوروبية المعلبة تم دفعها حشرا في سياق الصراع العربي الصهيوني واحتلال يهود اوروبا لفلسطين، قامت على تأكيد السياق الاوروبي كمتن وذات مركزية بكل أطرافها، وعلى اعتبار الآخر/العربي هامش وخاضع لسياق وظرفية المركز الأوروبي. وقدمت اوروبا في هذا الشأن خطابا معرفيا متعاليا ورنانا، لم يجد الخطاب العربي المضاد الفعال للرد عليه بعد، بل وأحيانا شهد ذلك الخطاب الاوروبي تغاضيا وتهاونا من "النخبة العارفة" العربية، أو على أقل تقدير تم اعتبار تلك المناطق من مناطق المسكوت عنه في خطاب النخبة العربية السائدة.

وفي هذا المقال سوف أطرح فكرتين قدمهما سارتر. الأولى "الصهيونية الوجودية" واتسمت بالحضور الواضح الرنان في خطابه؛ والثانية "العنف الصهيوني" أو "جدلية العبد والسيد" وفق التصور الهيجلي واتسمت بالحضور الخافت المدمج في ثنايا الخطاب الاوروبي وطبقاته المتتالية.

الصهيونية الوجودية

اعتبر سارتر أن الصهيونية أو مشروع احتلال يهود اوروبا لفلسطين وإقامة دولة ذات سيادة سياسية لهم هناك، هي أقصى درجات الوعي الوجودي ليهود اوروبا بأزمتهم التاريخية، كجماعات متفرقة ومضطهدة بسبب أحكام مسبقة ذات جذور دينية مسيحية وصورة نمطية جاهزة لهم، واعتبر أن الوعي الفردي لليهودي بوجوده "الأصيل" (على حسب تعبيره) وتأكيده عليه لابد سيصل لفكرة الجماعة (أو الجماعات) وأزمتها، وأن تحرر الجماعات اليهودية الوجودية من أسر الاضطهاد و"السلب الوجودي" الاوروبي الذى عرف بـ "معاداة السامية"، يتطلب وجودا جماعيا وتحققا لوعي هذا الوجود الجماعي، عبر مطالبته بكيانه الجماعي المستقل المتمثل في المشروع الصهيوني واحتلال اليهود لها وسلب أهلها السلطة السياسية وخضوهم للسلطة السياسية لليهود.

هذه هي "الصهيونية الوجودية" عند سارتر المسكوت عنها في الخطاب العربي طيلة أكثر من سبعين عاما (طوال فترة عدم ترجمة كتاب: تأملات في المسألة اليهودية)؛ والتي تبرر القهر والتسلط اليهودي على أهل فلسطين عند الاوروبيين، واعتبار ذلك مبررا ونضالا في سياق تحرر يهود اوروبا من قهر الدول الاوروبية لهم.

العنف الصهيوني/جدلية العبد والسيد

في خطاب سارتر التحرري اعتقدَ بشدة في تطور الوعي الوجودي ومقاومته للاضطهاد والسلب عبر القوة، والثنائية الشهيرة التي قدمها هيجل للعبد والسيد، حيث لا يتحرر العبد من أسر السيد وتلك العلاقة النمطية من الخضوع وتوارث القهر وتحوله لسمة وصفة جماعية شائعة في جماعة ما (كاليهود في هذه الحالة)، إلا عبر التمرد المسلح والعنف. وفي هذا السياق لا بد سيكون الموقف الاوروبي من مجموعات الاحتلال المسلحة اليهودية لفلسطين ايجابيا، فسيرون أن ذلك وسيلة للتغلب على السيد النازي الذى اضطهد اليهود، وجمعهم كالعبيد في معتقلات مع الزنوج ومن اعتبرهم هتلر عائقا في سبيل وجود الجنس الآري النقي الأعلى، صاحب الحق في السيادة على العالم.

وفي هذا السياق تكرر دعم سارتر المعلن أكثر من مرة للعمليات المسلحة التي قامت بها جماعات اليهود تحت لواء المشروع الصهيوني في الأرض المحتلة، تلك العمليات التي توصف بالعنف والإرهاب والعنصرية تجاه العرب أصحاب الأرض والبلاد من وجهة النظر العربية، لاقت كل الدعم من سارتر لأنه اعتبرها جزءا من عملية تحرر العبد اليهودي من أسر السيد الاوروبي، أسر اضطهاد العصور الوسطى المسيحي، وأسر اضطهاد العصر الحديث النازي! وكأن العرب والفلسطينيين مجرد كومبارس في خلفية مسرح الأحداث الاوروبي، أو أنهم الضحية والقربان الذي يجب على المشروع الاوروبي الحديث أن يقدمه ليتخلص من شعوره بالذنب تجاه خطاياه في العصور الوسطى والحديثة.

خطاب عربي مضاد: السلب الوجودي للفلسطينيين والحق في المقاومة

حقيقة وضع سارتر يهود اوروبا في موقف وجودي سيزيفي ولم يحقق لهم التحرر الوجودي الذي تخيله عبر احتلال أرض فلسطين، كبديل للقهر والعبودية في اوروبا كما صورها، وإنما وضعهم في موقف وجودي عبثي ودائرة مفرغة لا خروج منها وفق التصورات التي وضعها سارتر.

الوجود اليهودي في فلسطين كسلطة سياسة متنفذة ومدعومة من اوروبا، جاء على حساب سلب للوجود الفلسطيني وتقويض كيانه السياسي كجماعة وشتاته! ليتحول الفلسطيني لمقهور لا بد ستفرض عليه ظروفه الرفض والمقاومة، وهما ما سيدفعانه في نهاية المطاف لمجابهة العنف الصهيوني بعنف مضاد، وستصبح معادلة تحرير يهود اوروبا معكوسة، لتحرير عرب فلسطين عبر المعادلة نفسها والجدلية الهيجلية ذاتها، ليصبح وجود يهود اوروبا في فلسطين مشروعا عبثيا، قائما على جدلية لا تنتهي من الفعل والفعل المضاد، لا يمكن أبدا لأي منطق أن ينكر حق الفلسطيني في كسر اضطهاد السيد اليهودي (وكيل الحضارة الاوروبية وأحد تمثلاتها) الذي جاء ليستعبده ويقهره بوصفه العربي الشرقي الأدنى في المخيلة الاوروبية النمطية.

وتكون المعضلة أكثر وضوحا كالتالي؛ وجود يهود المشروع الصهيوني في أرض العرب قائم على سيادة سياسية وهيمنة على الأرض والمنطقة العربية كامتداد للمشروع الاوروبي، والعرب في حالة الصحوة (مهما تأخرت) لن يقبلوا بوجود اليهود سوى كتنوع ضمن حاضنة شرقية تسترد سيادتها، يهودها ليسوا سوى مجرد رقم في المعادلة العربية.

وهنا سيكون السؤال الذي يحمل الإجابة في طياته: ماذا سيختار يهود اوروبا المسكونون بالتفوق وعقدة التعالي والسيد الاوروبي، عند تحقق السيادة العربية واستعادة مشروع نهضوي يقيم الأركان التي تهدمت؟ والأجدر كيف سيكون سلوكهم والعرب في الطريق إلى مثل ذلك المشروع؟

ويكون سؤال الوعي الأصيل لـ "النخبة العارفة" العربية الحقيقية؛ كيف ولا بد سيكون تصور المستقبل واستشراف نهضته في ظل حقيقة مشروع وجود يهود اوروبا على أرض فلسطين المحتلة، كمشروع للسيادة والهيمنة والقهر.