سارتر وإعادة إنتاج معاداة السامية

من ضمن ما أسهم به سارتر في انتصاره للصهيونية على حساب الحق العربي والفلسطيني، هو نقل مفهوم ومصطلح "معاداة السامية" من سياقه الاوروبي البحت، إلي سياق الصراع العربي الصهيوني المنبت الصلة تماما بالمصطلح وتاريخه الاوروبي!

تاريخيا "معاداة السامية" هو مصطلح أطلق في العصر الحديث تحديدا في القرن التاسع عشر، من قبل "فيلهم مار" أحد السياسيين الألمان من دعاة العنصرية الألمانية والمعادين للوجود اليهودي في ألمانيا، لوصف حالة العداء والصدام بين البلدان الاوروبية ويهودها في فترة القرون الوسطي، والتي اصطبغت في الظاهر بصبغة دينية تتعلق بوصف اليهود بصفات سلبية وفق العقيدة المسيحية (معظمها تتعلق بموقف اليهود من صلب المسيح عليه السلام، ثم ما أشيع عن طقوس دينية غريبة يمارسونها) لتبرر حالة العنف والعداء الاوروبي تجاهم!

إذن فـ"معاداة السامية" هي مصطلح اوروبي، لوصف حالة اوروبية، حدثت في التاريخ الاوروبي، وينتمي الطرفان في تلك الحالة لاوروبا. كما أنه في العصر الحديث وفي السياق الاوروبي نفسه حينما قام هتلر بتصنيف يهود اوروبا كجنس أو عرق أقل يجب التخلص منه مع مجموعة من الأعراق الأخري رأى هتلر أنها عائق في سبيل سيادة الجنس الآري الألماني الأعلي، تم خلق الصلة بين موقف هتلر من فئة اليهود ومفهوم "معاداة السامية"، لأن السياق الاوروبي ربما متصل بنسبة ما أو من وجهة نظر البعض، الذى اعتبر اضطهاد العصور الوسطي هو اضطهاد ديني، واضطهاد النازية هو اضطهاد حداثي اوروبي يقوم على تفوق العنصر الأبيض الآري، لكن المهم أن السياق متصل من وجهة نظر وزاوية ما.

إنما ما فعله سارتر في أطروحته في الفلسفة السياسية في كتابه "تأملات في المسألة اليهودية"، كان خلق الجسر بين السياق الاوروبي الوسيط والحديث، وسياق الصراع العربي الصهيوني في مشروع احتلال يهود اوروبا لأرض العرب!

اعتبر سارتر أن من يرفض توطين يهود اوروبا في فلسطين، وهم ممن يتعرضون لـ "معاداة السامية" النازية في اوروبا، إنما يصبح مشاركا في الاضطهاد و"معاديا للسامية" بدوره! ومن ثم أصبح حتى العربي والفلسطيني الذي سيرفض القهر واحتلال يهود اوروبا لبلاده معاديا للسامية (!) في أشد صور اعوجاج المنطق وتشوه القياس، أقصد القياس بما جري مما سمي "معادة سامية" ليهود اوروبا من قبل البلدان الاوروبية، وإعادة إنتاج ذلك وتخليقه في مشروع واضح للاحتلال والقهر والهيمنة تجاه الذات العربية، حيث الحقيقة أن السياقين مختلفان تماما.

الأطراف مختلفة، والفعل مختلف. في حالة الصهيونية، العلاقة المباشرة بين العرب ويهود اوروبا، وفي حالة معاداة السامية العلاقة المباشرة بين اوروبا ويهود اوروبا. فكيف إذن يمكن أن يحدث التداخل بين السياقين، ليعتبر سارتر أن معاداة السامية الاوروبية يكمن حلها في صهينة الأرض العربية واحتلالها! ويعتبر أيضا أن من يرفض الصهيونية والاحتلال والقهر لأرض فلسطين معاديا للسامية ذات السياق والمفهوم والمغزى الاوروبي!

في واقع الأمر هناك تقصير عربي شديد في عرض وجهة نظرهم على العالم، وتفكيك جذور الحاضنة الاوروبية للصهيونية، بل وعدم فهم للعديد من مكونات وسياقات تلك الحاضنة وبما قد يتداخل معها من صورة نمطية مشوهة للعرب أيضا ارتبطت بالحداثة الاوروبية وحركة الاستشراق وعلاقتها بالاستعمار الاوروبي ودورها في تقديم العربي والمسلم، في صورة مشوهة تقدم الاحتلال الاوروبي كوسيلة وآلية لإنقاذه، سواء بمسوغات دينية تبشيرية مسيحية، أو ضمن حالة التعالي المعرفي المرتبطة بعصر النهضة والتحديث واعتبار الرجل الأبيض هو منقذ الشرق من غياهب الجهل والتخلف!

هناك سياقات عديدة ساهمت في تشكيل جبهة الدعم للمشروع الصهيوني كممثل للسيد الاوروبي! وحين نواجه الصهيونية فنحن نواجه مفهوم السيد الاوروبي، سواء الذى اعتمد ديباجة ورطانة الماركسية بوصف الصهيونية هي حركة للاحتلال التقدمي هذبها لينين قليلا في اجتماعات الكومينترن ليتخيل أنها رأس حربة للأممية العالمية في المنطقة العربية! أو بوصف الصهيونية هي الحملة الصليبية الأخيرة على الشرق، تضرب بحجر واحد عصفورين: تتطهر بها الكنيسة الاوروبية المعاصرة من ذكريات العصور الوسطي والاضطهاد، وتقول للشرق العربي ها أنا ذا قد أرسلت حصان طروادة لبيت المقدس أخيرا! ولعل تطور الصهيونية المسيحية ليس ببعيد عن هذا السياق.

إجمالا نجحت الصهيونية كمشروع اوروبي لتوطين يهود اوروبا في أرض فلسطين المحتلة، في العثور على الجذور لها داخل بنية العقلية الاوروبية الحديثة، سواء مع الماركسية والوجودية أو التصورات الدينية الاستشراقية. مواجهة الصهيونية ليست سوى قمة الجبل الجليدي من المواجهة مع المشروع الاوروبي في أشكاله الحداثية وما بعد الحداثية وضرورة مطالبته بأن يتحمل تبعة ما اقترفته يداه.

هناك من العرب من أخذهم الاستلاب بالنموذج الغربي، سواء في الحداثة أو ما بعدها، سواء في الماركسية والحديث باسم المطلق المادي التاريخي، أو الوجودية والذاتية وإطلاق حرية في الفرد في قياس الأشياء نسبة إلى ذاته والتخلي عن الموروث، أو في الليبرالية والهروب من الأفكار والمشروعات الكبري لمواجهة العالم والاكتفاء بالحرية والوجود الفردي السعيد المتوهم.

لكن كل ما سبق هو عارض، ومنطقي في الوقت نفسه! عارض لأن تلك هي أعراض الاستلاب وغياب مشروع الذات العربية، ومنطقي لأن كل غياب يقابله حضور، وغياب الجماعة يعني حضور الفرد، وغياب البطل يعني حضور الكومبارس وتصدره للمشهد.

غياب الكلي يعني حضور الجزئي والتفاصيل واختيار كل فصيل لزاوية ما وقراءة ما تريح هوى نفسه واختياراته تجاه الأزمة والاستلاب.

لكن إلى حين. فدورة الضعف الحضاري العربي دخلت في طور التفكك والتصدع، ولن تفلح محاولات ترميمها وبعث الحياة في أوصالها مجددا وبث الدماء في عروقها عبر شتى الطرق. وإعادة تخليق التناقضات داخل البنية العربية لتثبيت اللحظة الآفلة، ومنع الميلاد الجديد القادم لا محالة.