ازمنة النصب الدولي

يبدا الفيلم المصري "البيه البوّاب" بواقعة طريفة ومعبرة، اذ يأتي بطل الفيلم (احمد زكي) وعائلته من صعيد مصر الى القاهرة بالقطار، علهم يجدون فرصة للعمل والحياة هناك، بعد ان ضاقت بهم سبل العيش. وفي القطار يرصدهم شخص نصاب (سيد زيان) فيخطط هذا لاستثمار بساطتهم وسذاجتهم ليحقق هدفه الدنيء. وفجأة ووسط صمت الركاب الضجرين من طول الطريق، وقبل ان يصل القطار الى محطته الاخيرة، يلقي النصاب الذي ارتدى زي رجال الدين، خطبة رنانة، يستعطف بها الناس للتصدق على تلك العائلة القروية، بطريقة لا تخلو من اهانة لها ولو ضمنية، ويتفنن في اطلاق العبارات التي يريد من خلالها استدرار عواطف الركاب لمساعدة هذه العائلة التي ستواجه التشرد والضياع، ان لم يجمع لها الركاب ما يجود به كل واحد منهم! هكذا وبعد دقائق تنهال الجنيهات او اقل منها او اكثر باتجاه الرجل المحسن، الذي حركه ضميره لانقاذ عائلة مسكينة! والطريف ان كل هذا يحصل وسط دهشة العائلة التي عاشت وقتها مشاعر متداخلة بين الاحساس بالخجل وبين الرغبة في الحصول على المبلغ الذي سيهبط عليهم من السماء بواسطة هذا الرجل الفاضل! بينما كانت خطة النصاب تسير على ما يرام، وبعد ان يجمع المبلغ ينتهي به الامر الى حفظه لديه لحين وصولهم القاهرة واعادته لرب الاسرة! لكن الذي حصل هو ان النصاب، هرب متخفيا بين جموع الركاب النازلين واختفى اثره مع المبلغ الذي حصل عليه بالنصب والاحتيال، ليترك جرحا في وجدان تلك العائلة المسكينة التي وقعت ضحية مرتين.

هذه المقدمة تصلح ان تكون مقاربة، تصل حد التطابق تماما مع ما حصل ويحصل لمنطقتنا التي وقعت ضحية عملية نصب واحتيال دولية، اسهمت فيها قوى مؤثرة داخلية وخارجية من اجل الوصول الى هدف، يبدو انه تحقق، ولو ليس بشكل كامل، لكنه في كل الاحوال حقق لمن خططوا له ما لم يكن يحلموا بتحقيقه في المنطقة.. ففجاة وجدت الاكثريات والاقليات الدينية والطائفية والعرقية نفسها مضطهدة ومسكينة، وفجاة ايضا وجدت نصابين كبار ينادون لها بالخلاص من الانظمة الاستبدادية التي تحكمها، وفجاة ايضا وايضا وجدت ان الخطط لانقاذها من مازقها هذا جاهزة، وان هناك اشخاصا من بينها تجندوا لهذه المهمة بالتعاون مع النصابين الكبار، لتحقيق الهدف الذي يعرفه الكبار تماما من دون ان يعرف عنه هؤلاء المجندون شيئا مهما، سوى انهم سيكونون قادة طوائف وزعماء اعراق ونجوم فضائيات واصحاب ملايين الدولارات. فأية نعمة كبيرة هذه، وكيف لانسان طموح ان يتخلى عنها؟ نعم هذا هو الذي حصل لمنطقتنا التي وجدت شعوبها نفسها بانها محور اهتمام الكبار من الذين جاؤوا ليحرروها من انظمتها، وصارت وسائل الاعلام الموجهة تتباكى على المساكين الذين يلاقون شر العذاب والتنكيل والمستقبل المجهول، وان المجتمع الدولي بات مسؤولا عن تحريرهم.

لنترك العراق وكيف استثمرت هذه اللعبة في تدميره، لانها باتت معروفة للجميع، ولنذهب الى الدول العربية الاخرى التي شهدت ما يعرف بـ"الربيع العربي" وكيف عملت الميديا والمخابرات على تدميرها واحدة تلو الاخرى، بعد ان اصبحت كل دولة هدفا محددا للاعلام الذي تساوق جهده مع المخابرات في صناعة الحدث، والذي سيصبح مدخلا لتخريب تلك الدول من اجل انقاذ شعوبها.

من دون ادنى شك هناك مشاكل، وحالة من عدم الرضا على الانظمة الحاكمة، سواء في سوريا او مصر او ليبيا وغيرها، وبالتأكيد هناك وسائل متعددة لحل هذه المشاكل التي تعيشها اغلب دول العالم المتخلف، وتسعى الى اصلاحها بمختلف السبل، مع يقيننا بانها اقتصادية بالاساس، وتتصل بالقدرات المحدودة لتلك الدول نفسها. لكن ان يتم انقاذ هذه الدول بادخال مئات الالاف من الارهابيين، بعد ان يتم استدراجهم عاطفيا باسم الدفاع عن الدين والمقدسات واقامة الامارات ودول الخلافة لاقامة الديمقراطية فيها، فهذا لا يمكن لاي انسان عاقل ان يتقبله او يتحمله، كوسيلة للانقاذ او التحرير. ولننظر الى تداعيات الاحداث التي تمت صناعتها وكيفية الاشتغال عليها، وكيف انتهى الامر بتدمير تلك الدول واعاقتها حضاريا لعقود من الزمن، فيما لو خرجت غير معاقة تاريخيا من خلال التقسيم وغيره. ولنحكم على الحدث في ضوء النتائج المترتبة عليه، والتي لم تكن مجرد تداعيات امنية وعسكرية لمواجهة قد تكون الانظمة اسهمت فيها او بالاصح دفعت اليها. فهل يعطينا واقع سوريا اليوم او ليبيا وحتى مصر اجابة مختلفة عن الهدف الاستراتيجي الذي حصل كل الذي حصل من اجل تحقيقه؟

مازقنا كبير حقا، لكن علينا ان نقاوم بكل ما اوتينا من وسائل، للحفاظ على ما تبقى من بلداننا، ومن اجل ان نبقى على قيد الحاضر والمستقبل ويجب ان لا نيأس، فلا خيار امامنا غير هذا.