دنقل وعصفور: الثورة بين واقع الضرورة وواقع الأزمة!

ألم يحن الوقت لتترجل سفينة ثقافة 'واقع الضرورة'، لتبزغ ثقافة 'واقع الأزمة'؟

حضرت مؤخرا ندوة أدبية شديدة الزخم بالمجلس الأعلي للثقافة، دارت حول كتاب الناقد والمثقف د. جابر عصفور وهو المركز في ماكينة الثقافة المصرية لقرابة الثلاثين عاما الآن، ولكثرة الحضور من نخبة نقاد الأدب في مصر كمتحدثين رئيسيين في اللقاء، لم يكن هناك الوقت لفتح الباب لمداخلات الحضور، حيث عزمت على كتابة رأيي في مقال نقدي لما رأيت في الموضوع من أهمية ومركزية أثارت داخلي التحدي لأستجيب له بالكتابة، وأضع التساؤل والجدل العلمي المحترم بين ما سماه عصفور "واقع الضرورة"، وما قد يبدو في حقيقة الأمر "واقع الأزمة".

وللوضوح، هذا المقال آخر خروجه بعض الأصدقاء الأعزاء المحبين، رأوا في مقالي الأول عن الشعر المصري بعنوان: "إشكالية رصف السبعينيين للمسافة مع التسعينيين" مغامرة أولي، تناولت مقدمة رفعت سلام لكتاب أنطولوجيا النص الشعري المصري الجديد، ومسار قصيدة النثر المصرية. ولكني أحلُّ هذه المحبة من طوقي وأطرح المقال للنور، مقيما العلاقة بين النقدي والثقافي والسياسي، وأطرح من المسكوت عنه بعضا، وليسمح لنا عراب الثقافة المصرية الكبير ويتسع صدره، فهو العالم العارف قبل كل شىء.

• ثلاثية عصفور: أمل/الرفض/30 يونيو

للكتاب ثلاث عتبات ومتن، العتبة الأولي هي العنوان كطبقة أولي في رسم الصورة الكلية للكتاب، حيث سماه عصفور قصيدة الرفض: قراءة في شعر أمل دنقل، والعتبة الثانية والأخطر هي مقدمة الكتاب أو المفتتح التي حاولت أن تخلق مسارا خاصا بها في العالم يعيد به عصفور تقديم نفسه وإعادة إنتاج ذاته لهدف في نفس يعقوب، حيث أراد تصوير علاقة ما بين قصيدة الرفض وأمل دنقل وأفق المشروع السياسي في 30 يونيو/حزيران!

أما العتبة الثالثة فهي النبذة الخلفية للغلاف وما حاولت أن تصكه من مصطلحات ومفاهيم خاصة بها تضبط تصور عصفور لفكرة الرفض وذلك أخطر ما في جعبة الساحر العجوز.

عصفور حين وصف ما ترفضه قصيدة أمل سماه بـ "واقع الضرورة" وحين وصف مطالب أمل سماها: الحرية والعدل والمساواة! وهنا تكمن سمة من سمات الأب الروحي لثقافة التسعينيات فما بعدها، في ذلك المصطلح الملغز والإشكالي "واقع الضرورة"، وهو لب الاختلاف مع مشروع عصفور الذي توج به أطروحة السبعينيين وتمردهم على الجماعة واختيارهم روح التعالي والسخرية من المجتمع، بدلا من نقده لإعادة بناء الجماعة وكان مشروعهم الذات كمحور للعالم والتأكيد على الهامش لمتن كان معلقا في رقبتهم كـ "مشانق الصباح"!

• مفهوم "واقع الضرورة" ووظيفة "الرفض"

إذا اعتبرنا في تصور عصفور أن الواقع هو واقع الضرورة، لكانت الوظيفة الشعرية ربما ليست المقاومة أو الثورة أو الحلم.. واقع الضرورة هو مسار الصيرورة والحتمي، هو مسار ما كان ولا بد منه، ولأنه لابد ولا فرار منه ولأنه واقع ضرورة، كما بالمثل زعيم/ الضرورة أو ضرورة/ المرحلة، فالوظيفة الشعرية في النموذج الأدبي الذى يسعي له عراب الثقافة المصرية، وساحرها الأعظم من بين كل المدائن، هي مجرد إبداء الرفض لذلك الواقع/ المحتوم/ الضرورة.

الشعر هنا كما ثقافة "تنوير عصفور" هو ديكور في مشهد حتمي، مشهد لا يجد فيها مريدو التنوير الأوروبي المقدس الجسور ليمدوها مع واقعهم الشرقي الرث في تصورهم، لذا فاختاروا أن يكون الواقع ضرورة، والثقافة ضربا من ضروب الرفض والأمنيات، وغناء ما بعد انتهاء الحفل وربما خراب العالم! ثقافة الهامش التي لا ترى لها متنا في واقعها، وتعجز عن فرض مصطلحاتها على قواعدها الشعبية، فتختار اللجوء لسلطة "واقع الضرورة" كي تمنحها دورا في العرض ومكانا محدد الحيز والغرض والمستقبل.

الحقيقة أنني أرى مصطلح "واقع الضرورة" هو مركز النموذج الأدبي المسكوت عنه في مشروع عصفور الذي أراد له السيادة، وانتظمت من ورائه باقي القيم، وعلى أساسه تم صنع النمط الثقافي لمصر/عصفور، الذي ارتبط بالتخلي على الخطاب الشعري القائم على المواجهة واتخاذ المواقف واختزال العالم في قيم وتمثلات شعرية متقابلة واضحة المعالم والاختيارات، لصالح السرد (زمن الرواية) والحكي والفضفضة والتفاصيل، فثقافة الهامش هي ثقافة راوية وليست ثقافة فاعل، ثقافة حكاء وليست ثقافة ملحمة وأبطال، النموذج الأدب الذي دشن له عصفور كان مصفاة ومفرزة مركزية خلقت أطرافها وحلقاتها في كل الربوع والسهول والوديان المصرية.

• لماذا واقع الضرورة/ قصيدة الرفض؟

النموذج الأدبي الذي يريد به عصفور أن يمد ولايته على النمط الثقافي المصري الآني، هو أن يستدعي من متن مشروعه الأدبي القديم، بعض الهوامش عن دنقل، ثم يجمعها في عقد يقدم خلطة جديدة تصلح في تصوره لكي تكون مظلة أو إطارا نظريا لأدب ما بعد ثورة يناير، التي يري أن تمثلها الذي منحها معناها الأسمي هو في 30 يونيو! هو قصيدة الرفض ذات الوظيفة والإطار المحدد في واقع الضرورة (واقع 30 يونيو).

ذلك هو لب طرح الساحر الأعظم عصفور من وراء كتابه النابغة، هو يطور كساحر عجوز تعويذة قديمة لتصلح لزمن جديد، هو يريد أن يوظف أمل دنقل لصالح عصفور، يريد لـ "دنقل" أن يكون الرماد الذى يشيعه في العيون، كي يعبر من بينهم ويمرر مشروعه النقدي الجديد، أو بدلته الجاهزة التي يريد أن يلبس فيها قسرا وجبرا وطوعا أدب ما بعد ثورة 25 يناير.

• متلازمة استحضار التمثل الأوروبي!

الحقيقة أن الأب الروحي للثقافة المصرية؛ يريد أن يستمر في تأثيره لصنع النمط الثقافي والأدبي لمصر، لماذا لم يقارب عصفور المشهد الآني من خلال واقعه، هل ما زال يعتقد في نموذج الثقافة الفوقية التي تفرضها سلطة ومؤسسات "واقع الضرورة" على المستقبل والحلم (والحرية والعدل والمساواة)، لماذا لم يستخدم عصفور شعارات: عيش، حرية، عدالة اجتماعية (كما كان في يناير)، لماذا طنطن في رؤوسنا عصفور بشعارات أقرب لشعارات ثورة فرنسا: الحرية والعدل والمساواة.. لماذا يستدعي عصفور دائما التمثل الغربي (كقيمة إنسانية عليا كامنة في اللاوعي)، يشد إليها الواقع العربي ويريد أن يفرضها عليه فرضا..! وكأنها عقدة نفسية أو متلازمة فكرية يمارس بها وغيره التعالي على واقع الأزمة!

الحقيقة أن عصفور هو خير ممثل لثقافة النخبة المصرية والعربية التي استلبت لصالح الغرب، وفقدت كل الجذور مع واقعها/الأزمة، وبررت لنفسها مسار ما تفعله باعتبار أنه الممكن والمتاح في ظل "واقع الضرورة".. ودورها الآني المتاح ففي انتظار مستقبل متخيل تنويري أوروبي، سوف يهبط على البلاد بالمظلة، حين يتعلم أهلها الأدب ويقدمون فروض الولاء والطاعة لمسار التجربة الأوروبية، تلك التجربة التي لم يستوعب جيل عصفور من نخب التنوير المصري، أنه لا يمكن إعادة إنتاجها في سياق عربي، وأن السياق العربي سيطور لحظاته المفصلية، لكن حتي في مقاربات جيل عصفور للنقد الجديد، فيما بعد النقد الأوروبي في حالة المركزية (الحداثة)، وفي حالة ما بعد المركزية (ما بعد الحداثة)، هم يتعاملون مع ذلك النقد وأطروحاته باعتباره من أدوات المثاقفة ورطانة الأكاديمية التي تتعالي على واقعها الأزمة، وتمارس ازدواجية بحتة حين تتحدث عن النقد الجديد كنظريات منبتة الصلة بتطبيقاتها، ولا تحاول أن تطور نماذج معرفية مرتبطة بواقعها الأزمة، هي تتعامل مع الواقع العربي كعامل ثابت في معادلة متغيرة ومتحركة مركزها في الغرب، حقيقة ذلك مركز الفكر عند النخب التي تبادلت نقل مشعل الثقافة كما تصورته منذ بواكير النظرة للغرب العلماني كنموذج، في تمثله الماركسي وفي تمثله الليبرالي.

• هل البديل عن واقع الأزمة قصيدة الثورة!

لماذا لم يستخدم عصفور قصيدة "الغربال" لمصطفي إبراهيم في مقاربة ميدان التحرير وفكرة الثورة، لأن قصيدة مصطفي إبراهيم في سياقها التاريخي تقوم على الثورة والمقاومة والفرز والفعل، وليس الرفض كما في السياق التاريخي لأمل دنقل، لماذا لم يقرأ عصفور قصيدة "بقايا حملات الغرباء" من ديواني "الطازجون مهما حدث"، ويري في المقابلة لمفهوم الثورة والقدرة الكامنة! وأنا أتعمد ذكر قصيدتي لأضع الأمر في المواجهة المباشرة مع نماذج قرر النمط الأدبي السائد تجاهل وجودها ردحا من الزمن..!

عصفور يريد اختزال المستقبل وقطع الطريق عليه ليس لصالح دنقل الذى أحببناه في سياقه ومرحلته وقدم نموذجا شعريا جميلا وإنسانيا، إنما لصالح تمديد ثقافة الهامش وفرض النمط من قبل سلطة "واقع الضرورة"، عصفور يريد أن يقدم مفرزة جديدة للثقافة المصرية، تقصقص ريش أحلامها وتعيدها لحتمية واقع/ الضرورة، وثقافة الديكور والتنوير الذى يقوم على سيكولوجية الضحية والشعور بالتعالي والبكاء على حال المجتمع المختلف، الذى يركن للسلفية وإيمان الطقوس المظاهر!! عصفور لا يقدم كتابا نقديا، إنما يسعي لتمرير نموذج ثقافي لكنه تعجل في ذلك كثيرا، فبناء الكتاب هش للغاية وخرج على عجل، وذلك يبدو في أول المركز والمتن في فصول الكتاب.

• متن الكتاب وأزماته الشديدة:

أول الأزمات التي تقابلك في متن الكتاب بعد أن تعرضنا لعتباته الثلاث في بداية المقال، أن عصفور لم يقسمه لأبواب، ولم يقسمه لفصول! إنما قسم الكتاب لستة أجزاء سمي كل جزء كتابا، وتحت كل جزء عناوين دون ترتيب أو ترقيم! وكأن الكتاب عبارة عن ستة كتب مستقلة، وليست أطروحة متماسكة البناء تقسم لأبواب وفصول، أو فصول تضم المباحث أو من المقالات والعنواين المجمعة!

وكانت عناوين الأجزاء الستة كالتالي: بواكير التوهج، على طريق الوعي القومي، شاعر المدينة المقموعة، مواجهة الموت، في بلاغة الكتابة، تقابلات وتوازنات..!

وفي هذا المتن يقبع أشد النقد الموجه لعصفور، فيبدو الكتاب وكأنه تنويعة لكل أو معظم ما كتب عصفور عن أمل بين دفتين! وكان من الأجدر للكتاب أن يأخذ عنوانا توثيقيا أو تذكاريا، كأن يكون: حكايتي وأمل دنقل، هكذا رأيت أمل، المهم كان الأجدر بالمتن أن تكون عتبة عنوانه فضفاضة هفهافة تناسبه.. لكن الغرض والسياق النقدي الذى أراده عراب الثقافة المصرية من وراء الكتاب كان حاكما له وضاغطا على اختياره، فوضع العنوان عنوة على متن لا يناسبه.

• مسار الكتاب والقطيعة مع العنوان!

أما إذا أردنا البحث وراء منهج المقالات التي وضعت في كل جزء من الأجزاء الستة، لقلنا أنه في الجزء أو الكتاب الأول والثاني، أراد أن يؤسس لفكرة المضمون أو منظومة القيم كما يراها عند دنقل؛ حيث تحدث عن بواكيره وتصوره الجماعي سواء الخلاقي أو الوطني أو القومي، وفي الجزء أو الكتابين الثالث والرابع تحدث عن موتيفة المدينة وموتيفة الموت وموقف أمل من كل منهما، وفي الجزء أو الكتاب الخامس تحدث عن الشكل أو الآليات الشعرية عند دنقل، وأخيرا في الجزء أو الكتاب السادس تحدث عن دنقل وحجازي وعبدالصبور من ناحية، ثم عن دنقل وأدونيس والماغوط من ناحية، ثم عن دنقل وت. إس. إليوت وجونار إكيلوف من ناحية، وعن دنقل وعبدالمنعم رمضان من ناحية، وعن دنقل والناقد لويس عوض من ناحية أخيرة.

وتبدو الأزمة واضحة للعيان تطل برأسها بشدة، أين العنوان كقاطرة وقضبان حاكمة لسير الدراسة في كل ما سبق!! الكتاب أقرب للتوثيق والتجميع، منه للدراسة المنتظمة المنهج والإجراءات.

والسؤال الأكثر موضوعية أين المنهجية في المقدمة التي سماها عصفور: المفتتح! ليضع الكتاب في سياق ثقافي لم يقدم أسانيد له ولا حتي القرائن البعيدة النسب، مفترض أن المقدمة تتحدث عن الكتاب وتوصف منهجه وبنيته، لا أن تكون مقدمة وكأنها تتحدث عن كتاب آخر أو بوصفها بيانا سياسيا، أو الأصح بوصفها بيانا نظريا ثقافيا يستخدم لغة عاطفية حماسية ليمرر فكرة عصفور، لإعادة إنتاج نفسه وتمديد ولاية مفاهيمه السابقة لفترة ولاية جديدة.

• العودة للمفتتح: الحبال الستة

بضع وريقات، ست ورقات بالتمام والكمال هم حبال عصفور التي أراد لها تبتلع المشهد الثقافي، وتمدد ولايته الثقافية عليه مجددا، كان يمكن للكتاب أن يمر مرور الكرام لولا تلك الوريقات الست، كان يمكن أن يكون كتابا تذكاريا أو توثيقيا يحتفي به الجميع وفقط، لكنه أبي إلا أن يكون كما قال المؤرخ أرنولد توينبي ذلك "التحدي"، الذي نكون "الاستجابة" له، أبي إلا أن يكون تدافعا حضاريا جديدا، في سبيل البحث عن مستقبل جديد للثقافة المصرية، مستقبل يعيد تقديم الثقافة والنخبة العارفة كقاطرة تشق طرق البلاد وتستكشف أغوارها وتطلق منها المنارات للقبيلة وحلم نهضتها.

ألم يحن الوقت لتترجل سفينة ثقافة "واقع الضرورة"، لتبزغ ثقافة "واقع الأزمة" والبحث عن المسارات البديلة وتقديمها على طاولة النقاش والحذف والإضافة، ألم يعد هناك في البلاد من يملك الجرأة ليقول "لا"، و"لا يصالح" ذلك النمط الثقافي الآفل الذى أمم الثقافة المصرية لصالح السرد وزمن الحكي وقصيدة التشيوء وهزيمة الذات والتفكك، رحمة بنا، ورحمة بالبلاد.