تلفزيون الواقع العربي

يلخّص الكاتب سايمون كوبر في صحيفة فايننشال تايمز، الواقع السياسي الذي يديره الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مسرح البيت الأبيض بتلفزيون الواقع.

ولأن هذا التلفزيون لا أهمية له من دون جمهور ومصوتين على من يبقى ويغادر، فإنه أصبح طقسا عالميا وفق كوبر “نستيقظ كل صباح ونمسك هواتفنا للحاق بأحدث حلقة من برنامج ترامب، مسلسل تلفزيون الواقع المُسبب للإدمان. ما الشخصية التي تتعرض للإهانة، أو التحقيق، أو الطرد؟”.

معتبرا ذلك بالعام السياسي الأكثر حيرة في حياته، وربما الأكثر خطورة “هذا ليس خطأ ترامب فقط، لا تنسَ أننا أيضا المُشاهدون”.

المشكلة في عالمنا العربي أن مسلسل تلفزيون الواقع لا ينجح على الشاشات لأننا كعرب لا نظهر حقيقتنا عندما نمثل، بل نعبّر عن حقيقتنا عندما نعرّف أنفسنا بما نكره أو نحب.

لذلك يدار اليوم تلفزيون واقع بمساحات شاسعة وبملايين المؤدين الواقعيين، من دون رتـوش تمثيل ومكيـاج مقنع لأداء كاذب.

تلفزيون الواقع العربي يدار اليوم من الجمهور، بعد أن أصبحت الحكومات عاجزة كليا عن التحكم برغبات وآراء ومواقف الناس، جيل الهواتف الذكية خرج عن الطاعة إلى درجة دخلت الحكومات في اللعبة كمشاركة أكثر من كونها سلطة، لتدافع عن نفسها بصوت فعال محرض على التصويت والدفاع عن “مكتسباتها”.

تلفزيون الواقع الإعلامي أنزل الحكومات من قصرها التاريخي وأرغمها على الاختلاط مع الجمهور لتبدو وكأنها راضية بعالم رقمي مفتوح، بينما القلق يتصاعد في أروقتها، فقد يكون الانقلاب الذي يسقطها ينطلق من جيش من النشطاء والمغردين وليس كما كان يقود الانقلاب “الضباط الشجعان في قواتنا المسلحة”.

التعريف المثالي لبطل تلفزيون الواقع هو شخص نرجسي، لا يشعر بالحرج، يكشف تدريجيا عن الروافد الداخلية لشخصيته. ووفق هذا التعريف فإن عالمنا العربي لم يعد مؤهلا لإظهار مثل هذا النجم كما كان يصلح له معمر القذافي من قبل! لدينا نماذج باهرة تتناسب اليوم مع مفهوم النجم الذي لا يشعر بالحرج، توجد الطائفية، الكراهية، العشائرية، القومية، الأمية، التخلف.. كل هذه المسمّيات تتبوأ المشهد الإعلامي اليوم بامتياز لتحرك أحداث مسلسل تلفزيون الواقع العربي.

تلك مواصفات ظاهرة في عالمنا اليوم تعبّر بدقه عن حقيقة أوجدها تروي ديفولد مُنتج تلفزيون الواقع في تعريفه الشهير للبرنامج “هنا.. تتمكن فعلا من معرفة حقيقة الشخص أبعد مما كنت تتصوّره عندما بدأ البرنامج”، ولأن تلفزيون الواقع اُبتكر من أجل معرفة حقيقة الشخصية، فإن الكراهية ومكملاتها.. كمعادل واقعي في العالم العربي أصبحت مُعبّرا جمعيا عن ظواهر تسكننا كأشخاص ونُعبر عنها في سلوكنا وحديثنا، والأهم من كل ذلك في مدوناتنا الشخصية وما نصنعه اليوم من خطاب إعلامي ميزته أنه يُعرفنا كأشخاص بما نكره! الإنسان العربي صار بفضل صعود الإسلام السياسي يُعرّف نفسه بما يكره أو يحقد!

لدينا مثالان مثيران مرا الأسبوع الماضي، المفارقة فيهما أنهما من مدينة الكويت! الأول الكراهية التي عبّرت عنها نائبة كويتية إزاء كل ما هو عراقي بما فيه صوت الفنان كاظم الساهر غير مبالية بوله الملايين بغنائه بمن فيهم سكان الكويت! والثاني الطائفية التي تسكن رجل دين مع حلقات واسعة تدعمه ضد الفنان عبدالحسين عبدالرضا بعد رحيله.

هل يوجد أغرب من أن تكون الكراهية تعريفا لهوية الشخص، وأن يشن رجل دين حربا ضد الأموات! ذلك ما يمثله بامتياز تلفزيون الواقع العربي.

نحن لا نخدع أنفسنا ونتفاعل مع مشاهد وإن كانت واقعية على الشاشة، فالبطلان “النائبة الكويتية ورجل الدين الطائفي” لا يمثلان دورا مرسوما لهما في تلفزيون الواقع العربي، إنهما مشاركان معبّران عن حقيقة كوامنهما في مسلسل طويل ومستمر ثيمته الكبرى الطائفية والكراهية، بينما تتواصل مسلسلات أخرى بعناوين العشائرية والقومية والتخلف وتكبيل المرأة وهدر كرامتها..

المشكلة الأوسع هي أننا نحن كمشاهدين، جيل الهواتف الذكية الذي ظهر في زمن السِلم، وفق تعبير سايمون كوبر، ليست لدينا فترة تركيز أيضا.

فلا عجب أن يكون الأبطال الذين يشدون انتباهنا كل صباح على هواتفنا الذكية، هم مجرد نواب في برلمانات تعبّر عن الرثاثة السياسية القائمة، ورجال دين يوغلون أعمق ما يمكن في الطائفية والتخلف والخرافة، ويغريهم أنهم كلما زادوا تخلفا كلما استقطبوا من الأتباع أكثر.

الصحافيون والكتاب العرب يغرقون بشكل خاص في مسلسل الكراهيـة والطائفية المتواصل، ويخدعون أنفسهم بأنهم يُشاهـدون برنامجا جادا، ناقــد مصري على سبيل المفارقة المريعة طالب في مقال له بصحيفة عربية تصدر في لندن، الفنان كاظم الساهر بالاعتـذار قبل الغناء في مدينة الكويت!، بينما عرض كاتب ورئيس تحرير سابق للصحيفة نفسها للكراهية التي مثلها رجل الدين الطائفي بعد رحيل الفنان عبدالحسين عبدالرضا وجمعها بالكراهية المتصاعدة في جامعة فيرجينيا بالولايات المتحدة ضد الأعراق الأخرى.

جمع الكاتب مكانين متباعدين بأقصى ما يمكن للعين والفكرة أن تجمعهما معا، فيما أغفلت “فكرته الواهنة” عن قصد الكراهية التي بثتها جارته النائبة الكويتية إزاء الفنان العراقي كاظم الساهر!

تلك متعة مضافة يمثلها الإعلام العربي لتلفزيون الواقع العربي، متعة بنكهة مختلفة تكمن في المرارة والخيبة اللتين يسببهما لنا هذا الإعلام بوصفه صوتا للحيادية ومنع الفساد وتغول الحكومات.

تلفزيون الواقع العربي المتناقض استقطب في أغلب مشاهده الرثة وسائل إعلام تقدم نفسها بصوت مرتبك، لكنه أعلى من أصوات الطائفيين الكبار الذين يتسيّدون المشهد برمته.