المشاريع المستحيلة

بعد اقامة الاتحاد السوفيتي ببضعة سنين، وتحديدا بعد وفاة لينين، انقسمت القيادة الشيوعية الى تيارين. الاول قاده ستالين، الذي صب اهتمامه على بناء دولة الاتحاد وتقوية مؤسساتها وفقا للرؤية الجديدة. والثاني قاده تروتسكي، صاحب نظرية "الثورة الدائمة" اذ يرى ان بناء الدولة الاشتراكية فالشيوعية، لا يمكن ان يحصل، من دون ان تعم الثورة العالم كله، بعد ان تجتاح الدول او النظم الراسمالية وتفرض نموذجها بالقوة.

انتصر التيار الاول وبقي ستالين على رأس القيادة، وهزم التيار الثاني وهرب رأسه الكبير تروتسكي، وبات منفيا قبل ان يتم اغتياله بطريقة فاجعة لاحقا، لكنه الهب مشاعر الكثيرين ليس في الاتحاد السوفيتي وحده بل في العالم، ابرزهم الزعيم الصيني ماو تسي تونغ والثائر الارجنتيني جيفارا، اللذان تبنيا نظرية تروتسكي وثورته الدائمة بالكامل، كونها مثقلة بالشاعرية، وتشبع جوانيات المحرومين في العالم، ممن ليس لديهم ما يخسرونه. فكان اغلب التروتسكيين هم من ابناء الشعوب المسحوقة، ممن حملوا السلاح وقاوموا الانظمة فكان نصيب اغلبهم، ان لم نقل كلهم الهزيمة والخسران باستثناءات قليلة جدا. ستالين سلك طريق الواقعية بالرغم من كونه يساريا، راديكاليا، لانه ايقن ان حسابات الثوار ليست كحسابات زعماء الدول، وهذه المعرفة تتأتى اما بالتجربة او بعمق التأمل في المشهد السياسي ومعرفة توازن القوى، وكيفية التعامل معها. وقد توج ستالين رؤيته تلك بالتحالف مع ابرز زعيمين رأسماليين، الاميركي روزفلت، والبريطاني تشرشل، بغية دحر النازية في مؤتمر القرم الشهير في شباط من العام 1945.

تعيش بعض الدول العربية، ومنذ بداية ما يعرف بالربيع العربي، واقعا مأزوما، ليس بفعل المواجهات المسلحة بين القوى الراغبة بالتغيير وبين الانظمة المستهدفة فقط، فهذه مسالة طبيعية في سياق التحولات الكبيرة، بل ومطلوبة احيانا، وانما لكون اغلب مشاريع التغيير المنشودة، هي مشاريع مستحيلة التحقق، لعدم واقعيتها، وان الشعوب والدول وجدت نفسها عالقة في هذا المشهد الدموي الرهيب، ولا تعرف كيف تخرج منه بعد ان تورط الكثيرون فيه، وبات مستقبلهم مرهونا بمخرجاته. ففي سوريا، كنموذج ابرز لهذا الواقع، نجد ان الشعب السوري، وان كان فيه من يرغب في التغيير واقامة مشهد سياسي اكثر اتساعا، لكنه وجد نفسه وسط فصائل اغلبها متوحشة ولها اجندة غريبة ولا يمكن التعايش مع اجندتها للحياة، ليس في سوريا وحدها وانما في أي بلد في العام، وكيف لهذا البلد ان يتعايش ابناؤه مع ثقافة جبهة النصرة وداعش وغيرها من التنظيمات الارهابية التي تشيع الخراب والظلام اينما حلّت؟ اما ليبيا فالمشهد لا يختلف كثيرا، والتنظيمات الارهابية انتهت بهذا البلد ممزقا ومقسما وفقيرا، لانها كانت بلا هدف واقعي يضبط معادلة ما بعد القذافي. والامر كذلك مع مصر التي بركت في رمال سيناء، وتعيش مواجهة دامية مع ارهابيين لا يحملون أي مشروع عقلاني يمكن ان يتحمله الشعب المصري. اما في اليمن فالمشهد هناك يدعو الى وقفة جادة من قبل جميع الاطراف، لان المعادلة الوطنية في اليمن لا تسمح لاي طرف من اطراف النزاع ان يفرض رؤيته لوحده على المشهد الوطني باكمله، الامر الذي يحتم على الجميع ادراك هذه الحقيقة وعدم المضي في لعبة لي الاذرع التي يمارسها الجميع ضد الجميع، بمعنى ان المشروع المستحيل اذا ما سعى اصحابه الى فرضه على الواقع سيجعل العيش نفسه مستحيلا، بسبب كونه لا يتحقق ولا يترك الشعب يعيش حياته بشكل طبيعي، بفعل حالة الحرب والنزاع والاحقاد التي تتوالد من داخله.

للاسف الشديد، ان البعض لا يدرك هذه الحقيقة، التي يمكن تلمسها بسهولة الا بعد ان يغرق ويغرق معه البلاد في مستنقع دموي، ويدفع الجميع، الابرياء وغير الابرياء الثمن الباهظ، وهو ما نراه امامنا اليوم.

في عود على بداية السطور، وفي قراءة متأخرة جدا للمشهد في الاتحاد السوفيتي، يجد كثيرون ان ستالين كان واقعيا بخلاف تروتسكي، بعيدا عن تقييمه كزعيم لدولة عظمى حكم في فترة عاصفة من تاريخ العام حتى العام 1953 وكان له خلالها الكثير وعليه الكثير ايضا.. وان التجربة الصينية (الماوية)، في شقها المتعلق بالكفاح المسلح طريقا وحيدا لتحرير الشعوب وفرض الشيوعية عليها، اثبتت هي الاخرى عدم جدواها، لانها كانت مشروعا مستحيلا، او يوتوبيا، يسكن احلام القائمين عليه وحدهم. وان الصين المتحررة من هذا المشروع نفسه، هي التي سلكت الطريق السليم نحو التقدم والازدهار والتنمية الشاملة، حتى باتت اليوم من بين اكبر دول العالم.

كم سندفع من الدماء والاموال والزمن، كي يدرك الطوباويون في بلداننا، انهم اخذونا الى متاهات بعيدة، وان عودتنا وحدها تحتاج الى زمن ليس بالقليل.