هل هو حلم حقا؟

مراجعة ملف السجالات الاميركية ـ الايرانية والمواقف المتداعية عنها، تبين دائما إن هناك حالة من الصراع المتصاعد في الظاهر والجنوح نحو الاتفاق في الخفاء، خصوصا المواقف الايرانية التي تتسم دائما بتشدد مفرط بحيث توحي في بعض الاحيان من إنهم سيسلكون نهجا يسير نحو التصادم بينهما. لكن الذي جرى ويجري إن طهران وفي نهاية المطاف تضع أنيابها الوهمية "الصناعية" التي كشرتها جانبا وتستبدلها بتلك الابتسامات الصفراء للرئيس روحاني ولوزير خارجيته ظريف والتي يسعيان من خلاله لاستمالة قلوب الاميركيين.

الرفض الإيراني الرسمي اللاذع لطلب أميركي بخصوص زيارة مفتشي الامم المتحدة لقواعدها العسكرية ووصفه بـ"مجرد حلم"، لا يدعو بالضرورة لحمل الموقف الايراني على محمل الجد وإعتباره أمرا مفروغا منه، ذلك إن المواقف الايرانية المتشددة تجاه الاميركيين غالبا ما تتلاشى على طاولة المفاوضات والتواصل "السري" ويتم إجراء ثمة تغيير عليها بحيث تحفظ ماء الوجه الايراني، كما حدث في الاتفاق النووي الذي تم عقده في عام 2015، والذي سبق إبرامه بأسبوع موقف بالغ التشدد من جانب المرشد الاعلى الايراني عندما وضع 19 شرطا كخطوط حمر لا يمكن تخطيها. ولكن وعند مراجعة الاتفاق يظهر بكل وضوح إن تلك الشروط قد تم تجاهلها بصورة مهينة إن صح التعبير.

قادة ومسٶولو الجمهورية الاسلامية الايرانية الذي عرفوا في الغالب بتصريحاتهم النارية المتشددة وتعنتهم في الكثير من الامور، لكنهم وفي نهاية المطاف ينهون الامر بصيغة أخرى تلبي المطالب المضادة بشكل واضح وتحسم تشددهم وتعنتهم بتعابير فضفاضة يطلقونها للإستهلاك المحلي والاقليمي عقب كل إذعان رسمي لهم للمطالب الدولية، ذلك إنهم يجدون في إبقاء ظاهر التشدد والتعنت الايراني على حاله، أمرا ضروريا من أجل التأثير على المنطقة من جانب ومن أجل حفظ معنويات الاحزاب والجماعات والميليشيات التابعة لهم، من جانب آخر، مع الاخذ أيضا بنظر الاعتبار سعي طهران لتبدو أمام الشعب الايراني بمظهر النظام المتعامل والمتعاطى معه دوليا، لكي يؤمن جانبه.

ثمة نقطة مهمة أخرى لابد من الإشارة إليها وأخذها بنظر الاعتبار في قضية السجالات الاميركية ـ الايرانية، وهي تتعلق بشكل ومضمون المواقف الاميركية من إيران، إذ كلما كان الموقف الاميركي يميل ويجنح للتشدد الجدي فإن طهران تبادر الى إطلاق تصريحات ومواقف تتسم بالليونة والسلاسة والسعي للإبقاء على التواصل وحتى إن مجاهدي خلق، المعارضة الايرانية النشيطة المتواجدة في الساحة، تٶكد بأن طهران لاتعي ولا تفقه سوى لغة الحزم والصرامة، ومن هنا، فإن وصف طهران للمطلب الاميركي بزيارة المواقع العسكرية الايرانية من إنه مجرد حلم، بإمكان واشنطن جعله أمرا واقعا فيما لو ارادت ذلك فعلا!