اليسار العراقي الغائب عن الوعي

حين رحب عراقيون بالغزو الأميركي عام 2003 خيل للكثيرين أن ذلك الترحيب كان جزءا من دعاية أميركية.

ولكن أولئك العراقيين كانوا على استعداد لاستبدال وطن ضاق بهم بعد أن كان يجمعهم بحرية ستضيق بهم إلى أن تسلمهم إلى الفوضى.

ومنذ ذلك الحين والعراقيون يصرفون شؤون فوضاهم بطريقة عشوائية.

لا أعتقد أن أحدا من العراقيين في إمكانه أن يجيب على سؤال من نوع "ما هو المشروع الذي تنطوي عليه العملية السياسية في العراق؟"

بضربة الساحر الأميركي القاتلة انتقل العراقيون من الدولة التي تتحكم بمصائر شعبها إلى الدولة التي تترك مصائر شعبها للفراغ.

يصنع العراقيون اليوم مصائرهم بطريقة فردية. يسعى كل شخص إلى أن ينتهز فرصة حماية حاضره ومن ثم التلصص على مستقبله من خلال أساليب لا تقرها القيم ولا الأخلاق وقبلهما لا يقرها القانون طبعا.

كان هناك ايحاء عام من أجل أن يتحول كل عراقي إلى ماكنة فساد صغيرة.

لقد تم إفساد المجتمع حين تحول رعاع حزب الدعوة إلى واجهات يُراد لها أن تكون بديلا للارستقراطية البغدادية.

ما حل في العراق هو ضرب من الخيال المضاد. نوع من الفكاهة السوداء.

لقد أبيدت بغداد بكل قيمها وعادات أهلها وتقاليدهم وأخلاقهم لا لشيء إلا من أجل أن يكون مربي طيور رئيسا للجنة الدفاع والأمن في مجلس النواب.

قبل 2003 كان ذلك الرجل يبحث عن موطأ قدم في سوق الغزل وهي السوق المتخصصة ببيع وشراء الطيور ببغداد فلا يجده.

لن يُلام مربي الطيور بقدر ما يُلام الشعب الذي أنتخبه.

هناك مَن لا يميل إلى القاء اللوم على الشعوب. الشعوب بريئة. الشعوب هي الضحية دائما. إذن علينا أن نلوم النخب الثقافية. وهي في حقيقتها نخب نائمة. غير انها في الوضع العراقي فعلت الأسوأ.

كان هناك مثقفون عراقيون قد وجهوا رسالة شكر إلى جورج بوش الابن وتوني بلير لغزوهما العراق.

كان هناك مثقفون وضعوا أنفسهم في خدمة أجندة المحتل الثقافية بحيث صاروا مبشرين بمفردات تلك الأجندة التي تؤسس لتدمير العراق التاريخي وتنسف وحدة شعبه.

من ذلك أيضا أن البعض تفرغ لتشويه سمعة مقاومي الاحتلال من المثقفين عن طريق رجمهم بالشبهات.

قد يُقال إن البعض ممن تبرع مجانا للدفاع عن الغزو كان مؤمنا بالمشروع الأميركي العالمي مؤملا النفس بأن العراق سيكون ولاية أميركية، تنافس برخاء وترف حريتها الولايات الخمسين الأخرى.

ولكن بعد كل هذه السنوات من عمر الكارثة العراقية لم يستيقظ ذلك البعض من حلمه الذي دفع ثمن كوابيسه شعب كامل.

حقيقة ما انتهى إليه المشروع الأميركي في العراق تؤكد أن خيانة الثوابت الوطنية لا يمكن أن تنتج وضعا كريما.

لقد قطف المرتزقة واللصوص الفاسدون والجهلة والأفاقون وقطاع الطرق وزبائن العالم السفلي ثمرة ما زرعه تواطؤ اليسار العراقي مع ما اعتبرته نخب ذلك اليسار تغييرا إيجابيا سينتقل بالعراق إلى كوكب الحرية.

عراق اليوم بكل فساده وانهياراته الاجتماعية لم يصنعه المحتل الأميركي وحده ولا صاغت ملامحه الأحزاب الإسلامية وحدها بل ساهمت في تشكيله فئات يسارية كان صوتها الدعائي هو الأعلى في الدفاع عن المشروع الأميركي قبل أن يتم طردها بعد أن نفاد ذخيرتها في الدعاية.

صحيح أن أولئك العراقيين يقللون من الأثر السلبي لما فعلوه بحثا عن صلح كاذب مع الذات غير أن ذلك لن يقف عائقا دون أن يقول التاريخ كلمته التي لن ترحمهم.

في قصيدته "غريب على الخليج" يتساءل العراقي بدر شاكر السياب بعد أن يبدي عجبه "إني لأعجب كيف يمكن أن يخزن الخائنون؟ أيخون إنسان بلاده؟"

ما كان عجبا بالنسبة للسياب صار عادة.

لقد حكم اليساريون العراقيون على أنفسهم بالنفي عن الواقع يوم أداروا ظهورهم للحقيقة.