بغدادي كردي أبا عن جد

عندما بنى ابو جعفر المنصور بغداد بين العامين 762 - 764، أي في القرن الثامن الميلادي، لم يكن يتصور ان هذه المدينة التي باتت اعظم مدن عصرها في زمن الخلافة العباسية، ستمر عليها الاهوال التي عاشتها، لاسيما بعد سقوطها المدوي في العام 1258 وما استتبعه من كوارث مهولة، جعلت بغداد فيما بعد ولقرون، اشبه بمدينة اشباح. بغداد لم تبنَ لتكون عاصمة عربية او فارسية او تركية او بيزنطية، وانما بنيت لتكون عاصمة للخلافة الاسلامية، أي بلغة اليوم، عاصمة عالمية. وقد بنيت في حينه من اموال المسلمين من مختلف الامصار، لانها عاصمة دولتهم وهكذا بقيت لقرون.

اصبحت بغداد قبلة وملاذا لمختلف ابناء القوميات والاعراق وحتى الديانات المختلفة، وقد عزز هذا مدنيّة الدولة العباسية وانفتاحها، اضافة الى رخاء العيش، لاسيما في عصرها الاول. ولعل قوة بغداد الثقافية، تأتت من هذا التنوع الذي جعلها مدينة محتدمة وضاحة بالحوار والاختلاف والرؤى المتجددة، التي خصّبت روحها ومنحتها دفقا مميزا واضفت عليها طابعا مختلفا عن بقية المدن الاخرى. وقد كان الأكراد، الذين دخلوا الاسلام من دون قتال، من بين الاعراق المميزة التي سكنت بغداد بصفتها عاصمة دولة الاسلام، وتركوا بصمتهم عليها، حتى اذا ما حلّ القرن العشرون، وولدت مطلعه الدولة العراقية الحديثة، كان الأكراد معروفين بمحلاتهم ومعروفين بمسمياتهم الثقافية والتجارية المختلفة، بصفتهم بغادّة، الى جانب العرب والمسيحيين من مختلف اعراقهم واليهود والصابئة، واقليات دينية صغيرة اخرى كالبهائية وغيرها.

لم يسجل التاريخ، حادثة اعتداد من قبل عراقي على عراقي اخر، في الاقل، منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 لاسباب دينية او عرقية، باستثناء مواقف صغيرة عابرة، حصلت مع اليهود، وقفت خلفها اجهزة مخابرات واجندة سياسية لم تعد خافية على احد. وعلى الرغم من الذي حصل لاحقا من خلافات وصدامات عسكرية بين الحكومات المركزية، وبعض القوى السياسية الكردية في شمال العراق، منذ الستينيات مرورا بالسبعينيات وصولا الى الثمانينيات فالتسعينيات، الاّ ان حادثا واحدا لم يسجل في بقية مدن العراق، يمكن ربط خلفيته بالاحداث التي تجري في الشمال، او كرد فعل عليها، بالرغم من قسوتها ومأساويتها، لان العراق بطبيعته، بلد تجاور ثقافي تعايشت على ارضه مختلف الثقافات وكانت كل واحدة منها تسلم الراية للاخرى، بعد ان تستنفد اسباب ديمومتها، تاركة اثارها في ذمة مجتمع راحت تتعدد الوانه وتمتزج ببعضها بشكل مبهر وغير مسبوق.

لقد بثت قناة الحرة مؤخرا، تقريرا يتحدث عن مخاوف بعض البغداديين الأكراد من احتمال حصول ردات فعل غير منضبطة من البعض، على خلفية الاستفتاء واستقلال اقليم كردستان، وان المواطنين الأكراد الذين تحدثوا، هم بغداديون ابا عن جد، وشهدوا او سمعوا وقرأوا عن التحولات التي شهدها العراق السياسي والاجتماعي، طيلة العقود الماضية، من دون ان تعلق بذاكرتهم ان هناك اعتداء حصل على كردي او غيره لاسباب او دوافع عنصرية او دينية، لان هذه الثقافة غريبة على العراقيين حقا، فلماذا يحصل هذا التخوف اليوم؟

لاشك ان هذه الثقافة اقحمت على حياة العراقيين بعد العام 2003، لان الاجندة الخارجية المعدة للعراق شعبا وارضا، تستدعي ان تكون هذه الثقافة حاضرة، لكي يسير المشروع باتجاه نهاياته. فابتداء بمحاولة زرع الفرقة بين ابناء المذاهب الاسلامية وما حصل من احداث مؤلمة في السنين الاخيرة، مرورا بما حصل للمسيحيين وغيرهم، في بغداد وكيف وصل واقع هذه المدينة العظيمة، نعيش اليوم لحظة فارقة في حياتنا، لحظة يراد لها ان تضع حدا لتاريخ التعدد في بغداد، وان الذين يقفون وراء هذه اللعبة اليوم هم انفسهم من وقف خلف احداث الامس القريب. لذا علينا ان ننتبه الى ان ما حصل من تهديدات وغيرها للأكراد من ابناء بغداد الاصلاء، الذين اسهموا ببنائها وتحملوا آلامها وكوارثها وقاسموا بقية اهلها رغيف الخبز، واسهموا في نهضتها الثقافية والعمرانية والحياتية بشكل عام، هدفه تصحير هذه المدينة ونفيها تاريخيا بعد قتل روحها.

لتحقيق الهدف القديم نفسه، ونقصد تقسيم العراق الذي يجب ان يبدأ بالتقسيم النفسي والمجتمعي، ليكون الطريق ممهدا للتقسيم الجغرافي والديموغرافي. وعلينا ان نتصدى لهذه المحاولة الخبيثة ونقبرها في المهد، لان كردستان، سواء استقلت او لم تستقل، فان البغداديين من الأكراد يبقون اهلها الاصلاء ولا علاقة لهم بما يجري هناك، وهم ليسوا طرفا فيه اصلا.

الفعاليات الثقافية ورجال الدين واهل السياسة، كلهم مدعوون للوقوف مع بغداد في محنتها التي يراد منها تدميرها بتشتيت اهلها وتمزيق لحمتهم الاجتماعية التي ظلت لقرون، عصية على التفتت... وستبقى.