مؤيد البدري وكامل الدباغ وما بينهما!

اعترفُ ان ما اريد ايصاله الى القراء الاعزاء، معاد. فعلى حد علمي ان بعض المختصين في علم النفس الاجتماعي، كتبوا فيه، وحذروا من تداعياته. لكني وددتُ التنبيه اليه، مجدداً من زاوية اخرى بعد ان اتسعت رقعته. فالمواضيع الحساسة الأكثر عمقا هي من تسكن الأشياء الطبيعية الأكثر بساطة. وهنا تكمن المعضلة.

والمعضلة التي انبه اليها هي ضياع الألفة، بين شرائح عديدة من المجتمع، ولاسيما الشباب، في ظل ضعف المتابعات الثقافية الرصينة، من اولياء الامور، والهيئات التدريسية في المدارس والكليات، والاكتفاء بما يقدمه الموبايل ومواقع الانترنت من موضوعات لا تغني عن جوع. واعتقد ان على وسائل الاعلام بكل وسائلها، ان تمارس دورها التربوي بهذا المجال الحيوي، قبل الضياع التام لمبادئ تعارفنا عليها، وعشناها ببساطة ودعة وصدق طوال العقود الماضية.

وتعود بي الذاكرة الى العام 1972، حيث أجرت مجلة "الاذاعة والتلفزيون" العراقية، استبيانا لقرائها، بيّن إن نحو 40 بالمئة من المشاهدين يتابعون برنامج "العلم للجميع" وبرنامج "الرياضة في أسبوع" ونسبة زادت على 30 بالمئة، لبرامج الموسيقى والاغاني العراقية الأصيلة. ويتذكر القراء ممن هم بأعمارنا، ان التلفزيون كان يقدم أسبوعيا عروضا للموسيقى العالمية مثل سمفونيات بتهوفن وأغنيات لفرانك سينترا وغيره. وتوزعت بقية النسب على الأعمال الدرامية العراقية مثل "تحت موس الحلاق" والأفلام العالمية عالية المستوى، حيث كان تلفزيون بغداد يعرض كل يوم أربعاء فلماً مختاراً في برنامج يحمل اسم "السينما والناس" يسبقه استضافة احدى الشخصيات المهتمة بالسينما للحديث عن الفيلم المعروض. وكان الرقم الأعلى في بقية نسب الاستبيان من حصة برنامج "الباليه" الذي كانت تعده وتقدمه مدام لينا بمعية ورود عراقية غضة.

لقد كان التلفزيون، والاذاعة، والسينما والمسرح والمطبوعات الرصينة، ادوات ثقافية ومجتمعية، للمتلقي. فما الذي حدث لذائقتنا الثقافية؟ ولماذا فقد الشباب عنصر المتابعة الثقافية واكتفوا بالدردشة عبر الموبايل وهي تأخذ من جرف اوقاتهم، دون ان تعطيهم زادا ومعرفة، مجرد قتل الوقت، وهو اثمن ما في الوجود؟

لم أجد جواباً، ربما لكوني غير متخصص بعلم النفس الاجتماعي وعارفاً ببواطن سيكولوجيا المجتمع. لكن الذي استفزني جداً هذا الانحدار في الذائقة الجمعية العراقية ومن المسؤول عنها؟ هل المتلقي/المشاهد ام ان هناك تخطيطاً مسبقاً للي ذراع العقل العراقي؟

لا أريد، ان يرميني ناس الزمن الرديء بحجر، لادعائهم بأنني أطلب رقصة باليه على حساب ندوة فكرية او فيلم حائز على جائزة اوسكار على حساب ندوة لرجال السياسة، وما أكثرهم اليوم. او أن أتهم بمطالبتي بعودة كامل الدباغ الى الشاشة، فالرجل مضى الى بيته الدائم حيث مثواه الأخير. او أن أطالب المسؤولين بالذهاب الى الاستاذ مؤيد البدري لاستئذانه باستئناف برنامجه الشهير "الرياضة في أسبوع" وهو قعيد المرض منذ سنوات. لا ارمي لهذا او ذاك. لكن الوعي بالذات، تبنى عليه خطوط المستقبل. فاذا كان هذا الوعي هابطاً، فأن الوعي الجمعي سيكون متواضعا، وهذا هو الهدف من تخريب ذائقة المجتمع العراقي كما يبدو!

أسأل فقط : هل انتم راضون عن ثقافة الجيل الجديد وهم اكبادنا تمشي على الارض، بعكازة من الوهن الثقافي؟